الجمعة، أبريل 02، 2010

أعرف تماما أن مسألة السن لم تكن لتفرق معي كثيرا .. دائما ما قلت لنفسي و لمن حولي أني حتى إذا ما بلغت المائة سنة ، فسأقول و ابتسامة على وجهي أني عشتُ من العمر مائة سنة .. و لا أصدق كثيرا المقولة السخيفة التي تقول / أو تحذر / النساء من البوح بأعمارهن الحقيقية ...
لكني أجد المسألة ساخرة تماما و أنا أنهي " صورة دوريان جراي "*في يوم ميلادي ... أتأمل وجهي في المرآة ، و أجد أن ملامحي لم تتغير كثيرا عن فتاة الرابعة عشرة سوى بعض من الإجهاد و حب الشباب ...
و كثيرا ما خاب الآخرون في تقدير عمري .. و دائما ما يحسبونني أصغر عمرا بثلاث أو أربع سنوات على الأقل ....
أجد نفسي - بشكل ما - صالحة لتطبيق أمنية "دوريان جراي " عليّ ... لكن بلا صورة أمامي تتغضن ملامحها بدلا عني أو تحمل ملامحها أوزاري ...
لكني أشعر بالتعب .. الإنهاك .. و العجز .. على الرغم من أني فقط بالسابعة و العشرين ... و على الرغم من أن ملامحي تبقيني أصغر من عمري الحقيقي ... أتعجب ل" دوريان" و حياته كشاب حتى و قد تعدى الأربعين - على كل ما خاضه من تجارب ، كل ما حمله من أوزار و خطايا ، و كل ما انغمس فيه من حياة : ألم يتعب أبدا ؟ ألم يمل ؟ ألم تشعر روحه بذلك العجز الذي يتسلل إلى روحي ؟
أقف على أعتاب الخطو إلى ما ظننت أني أريده ... ثم، أجد حماساتي السابقة و قناعاتي السابقة بأن هذا ما أريد حقا و قد تبخروا جميعا في الهواء ... أشعر و كأني قد تهتُ في أرضٍ غريبة ، و لا أعرف : أهذا هو خوف التجربة ؟ أم أن روحي ضلت سبيلها عن ما تريده حقا ؟ أم أني تغيرت كثيرا و لم اعد آبه لشيءٍ حقا ؟
يتصل بعض من أصدقائي ... و تتعجب إحدى الصديقات : " حد يعيا في عيد ميلاده ؟ إيه العيد ميلاد التعبان ده ؟ " .. أتألم لأن ما يظهر على صفحة جسدي هو معدة تعلن العصيان ، و بعض ٌ من برد و كثير من الهزال ... لكنه يستطيع إخفاء صمت روحي جيدا ، و برودة عقلي و خواؤه .. أتساءل داخلي : أربما قد يكون قد أصابه تسمم من إنعدام رغبتي / قدرتي على الكلمات / خاصة مع نفسي ؟ / ...
يصيبني الانفصال عن كل شيء ، و أحقد على ما فات من أيام ...
تستعرض الأحداث الصغيرة - التي كنت أعدها مهمة - نفسها عليّ : ما بين أفلام ، ندوات ، معارض ، إلخ .. أشياء كنتُ أشتهيها و كان دائما ما يوجد المانع سواء في البيت ، ثم في مواعيد العمل بعد ذلك .... أجدني حرة تماما ، و لدي من الوقت ما أستطيع أن أفعل به ما أشاء .. لكن لا طعم و لا معنى لأي شيء ، فأمكث تحت الأغطية أقلب في بعض الأوراق ، أو أفصل الثلاجة التي تمتليء ثلجاً كل يومين أو ثلاثة ، و أبدأ في تجفيفها و إزالة الثلج عنها ..

أذهب لصديقتي الأثيرة بعد غياب و إبتعاد أصبح يدوم بالسنوات ، تحاول تحفيزا لي على الكلام ، و أحاول الاهتمام لتفاصيل حياتها ... تتقطع بيننا الجمل و الكلمات مع طلبات ابنيها الصغيرين ، الصالة التي بلا لمحة هواء أو ضوء طبيعي ، و عدم وجود تلك الخصوصية التي تسمح لنا بأن نقول أي شيء و لو تافها ، لكنه يعنينا ... هل أصبح يعنينا شيء حقا ؟

أحاول تشبثا بالكتابة علها تفصح لي عن نفسي - كما اعتادت -: أتكلف الكلمات .... أحاول وصفا أو حكيا لأي شيء فتخرج الكلمات مقتضبة مقيدة لا معنى لها ...
تصيبني الوحدة في مقتل ، أحاول تقليبا في الأسماء التي قد تحمل صفات : أصدقاء ، أصحاب ، معارف ، أقارب ، زملاء ... فلا أجدني أحن إلى أحد ...
ربما كل ما أحن إليه حقا هو تلك النفس التي ضاعت مني ...
أتذكر جملة "سيد"* في فيلم "الاختيار " أن المرء لا يقابل في نهاية الرحلة سوى وحش مخيف ... و ليس هذا الوحش سوى نفسه ...
لكني لا أقتنع سوى بأن النفس تصبح وحشا مخيفا فقط عندما تتخفى منا ملامحها و يهرب من بين أيدينا نقائها ... تصبح وحشا مخيفا عندما تضيع منا ... فالأشباح تكتسب صفتها التخويفية من كونها غير مرئية ...

أعتقد أني في حاجة لأن أعزم نفسي على فنجانٍ من القهوة و حبس نفسي و إجبارها بالقوة على الاعتراف / الكتابة / الوجود ...

=======================
* " صورة دوريان جراي" رواية لأوسكار وايلد ... مأخوذ عنها أيضا فيلم "دوريان جراي " إنتاج 2009 ، إخراج أوليفر باركر
* فيلم الاختيار : قصة نجيب محفوظ ، سيناريو و إخراج يوسف شاهين

هناك تعليق واحد:

M.R يقول...

كم أتمنى أن أقول: لا تحزني، هذا نحن، وهي الأيام وفعلها.
لكني لا أستطيع هذه المرة أن أستمر في المغالطة، فهذا نحن وفعلنا، أو هذا نحن و عدم فعلنا.
كلما فكرت أننا بجهل/عمد/غباء/نسيان/حسن نية/سذاجة/تواطؤ/.... نشارك في أعدام أيام و ألوان و روائح تبقينا... نتقينا فقط، تبقينا لنكون.

سعيد وكأن فنجان قهوتك دعوة لصباح شتوي أخضر.