الثلاثاء، مارس 12، 2013

و امتلأ الرصيف

استمرت المفاوضات بينهما لفترة اعتصمت هي فيها بالمراوغة: ما بين أن يمسك يدها أو يقبلها أو يعانقها – بعد أن كان يريد كل شيء مرة واحدة.
على الرغم من كل التحفظ فيما بينهما الذي منعه أن يقترب ليفعل ما يريد وقتما تراءى له، لم يمتنع من أن يجتريء لطرح الموضوع كأمرٍ يستحق المناقشة و الأخذ و الرد و المفاوضة.
محترما خصوصيتها على أية حال، طلب أن يقترب دون طرح مشروعات كبيرة أو صغيرة.... و وافقتْ!

عندما فكرتْ في الأمر، وجدتْ نفسها سترتجف و قد تبكي إذا ما قبلها أو لمس يدها، فاختارت أن يعانقها.

مدركا ً للمعضلة التي لم تكن لتسببها مسكة يد في مكان عام أو في الشارع أو قبلة سريعة مختلسة عند إلتهاء الآخرين في ذواتهم و شؤونهم الخاصة، أشار:
- " المشكلة أنه ليس هناك من مكان يمكنني أن أفعل ذلك فيه"
ضحكتْ باستمتاع : أعرف ذلك
اغتاظ من ملاوعتها : "يا لئيمة !"
فأضافتْ بوقار أنها فعلت ما عليها و أعطته سماحا ً بأن يقترب، و ليس لها شأن بأية أمور أخرى!

****
أماكن التقائهما أماكن وداع: محطات القطار في بلديهما أو في بلدٍ وسيطة ، مواقف الأوتوبيسات، المطار أحيانا.. كلُ ما هو خليق بفرض حقيقة الابتعاد/ المسافات/ و تنائي عالميهما حتى في اللحظة التي يقتربان فيها.
معرفة أو صداقة أو عمل، لم تكن التسميات لتفرق كثيرا، لكنها كانت تفرق في اللحظة التي يطل فيها مسمى الحب برأسه ليؤرقهما غير واثقين من حضوره أو غيابه.
كان صريحا معها: " ساعات بأفكر فيكي، لكن ما أعرفش إن كان حب و لا لأ"

***
ما بين قرارات متضاربة من الابتعاد و الاقتراب، إلغاء علاقتها به أو الاقتراب منه كانت تتخبط، خاصة و أنه لم يَدِّعِ كونه فارسا ً أو مِقداما .. يتقبل ما تأتي به الأقدار و الظروف، و يتصرف بناءا عليهما، دونما خطط أو مشروعات أو وعود و آمال و طموحات لشيء.. لم يكن يريد شيئا حقا ً ، بل لم يكن يريد أن يريد شيئا .. تتساقط الأشياء و الوجوه منه تِباعا فلا يهتم أو يتوقف لالتقاط شيء. يعرف أن التشبث لا يجدي.. أن الفقد محتم، أن عليه ألا يريد شيئا كي لا يفقد شيء. و أخيرا ً قررت: فلتكن المرة الأخيرة.

**
تحدثا كثيرا جدا، قالت له أنه لن يفتقدها لأنه اعتاد ضياع الأشياء منه، بل ربما لا ينتبه لعدم وجودها كما لم ينتبه حقيقةً لوجودها.
قال لها أنها لن تفتقده، لأنه لم يكن أبدا ، و لم يدع كذلك ، أنه الفارس المغوار الذي تنتظره.. فهو ضعيف ، و وحيد .. و ليس في جعبته ما قد يلون أيامها أو يمنحها إبتسامة في يومٍ غائم.
قالت له أنه لم يكن ليستطيع معها صبرا .
قال لها أنها لم تكن لتجد ما تريد و تبحث عنه معه.
قالت أن هذا قرار صائب.
قال أن هذا هو عين العقل.
صممت أن تحمل إحدى حقائب سفره حتى رصيف القطار، فجعلها تحملها معه. مد يده ليسلم عليها السلام الأخير. بدا عفويا جدا عندما تعلقت برقبته في عناقٍ صادق لا أثر لاشتهاء او خجل أو تردد فيه، أو لاكتراث بالناس الكثيرة حولهما. لتتركه ينظر لها في تحجر و هي تبتعد دون إضافة كلمة واحدة.
*
*
 ابتسم و لم يجب عندما سأله من ركب إلى جواره عن ما إذا كانت تلك أخته أم زوجته.
*

 كل شهر.. في نفس الموعد.. كانت هناك فتاةٌ و حبيبها يتعانقان علانيةً على رصيف محطة القطار دون أن يشك الناس سوى في أنها أخته أو زوجته، و دون أن ينتابهم سوى الإشفاق من افتراقهما.. لم يعد أحد يُدهش أو يحدق كلما شاهد رجلا و امرأة يتعانقان على رصيف محطة القطار. و لم يفترق منهما حبيبان على شك إلا و اجتمعا ثانية ً على وجه اليقين.
*

 عندما تسربت الحكاية لبقية النساء، صرن تأخذن أزواجهن إلى محطة القطار ليتعانقوا علانيةً ثم تودعنهم و هم يركبون القطار إلى أية جهة محتملة .. لأجلٍ غير معلوم ...سوى الرغبة الحقيقية لهم بالعودة.. عندما يريدون.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.