الجمعة، نوفمبر 25، 2016

يوميات "الحرق العلني"



منذ أن قرأت هذا النص  في جريدة مسرحنا (يوليو 2011) وأنا وقعت في غرامه فورا دون أن أعرف لماذا..
"نص مشدود وشخصيات درامية مرسومة بعناية" كان هذا سببا كافيا ومبررا عقليا يبدو مناسبا لي ... دون شعور بأنه يتماس معي أو مع أفكار محددة لي ودون أن أستطيع أن أقول بوضوح أن به "مشاعر" كذا أو "أفكار" كذا أعجبت بها ... إعجاب شديد، بل انبهار خفي دون سبب واضح ... وحيرة كحيرة اثنين يلتقيان للمرة الأولى ومع ذلك يشعران بالأريحية التي نشعر بها مع أصدقاء قدامى تربينا معهم..
حاولت عملا في البداية على هذا النص في 2012 من باب "تماسكه المذهل" وأنه قد "يزغلل عين" أي فرصة يمكنني أن أقدم بها وبخاصة في المهرجانات التابعة للمراكز الثقافية الأجنبية، كونه لكاتب أمريكي مشهور وله صيته وثقله، وكون هذا النص لم يقدم من قبل في مصر – حسبما أعرف – لكني كنت أشعر أن هناك شيئا مفقودا وهناك شيئا غير حقيقي في عملي عليه.. خاصة بعد عدم قبوله في المهرجان الذي كنت أعمل عليه من أجله... وإن كنا بررنا المسألة وقتها بأن إدارة المهرجان لديها تحيزاتها الخاصة اتجاه الممثلات المحجبات – وكانت الممثلة الرئيسية معي محجبة - ..
ولأني أؤمن أن "المسرح" يجب أن يكون له علاقة بجمهوره ومتماسا معهم ومع قضاياهم ومع بيئتهم، حاولت دمجا لهذا النص (الأجنبي الفصحى الذي يدور في مكان وزمان يختلفان جدا عن مكاننا وزماننا) مع نص آخر خفيف مصري بالعامية لكاتب شاب، وأضفت جملا من عندياتي كذلك، ليكون النص المصري هو الهيكل الأساسي، ويكون نص وليامز متخللا له ومعبرا عن حالات بعينها للبطل – تختلف جدا عن شخصية البطل الأساسي بـ "الحرق العلني" – وليعبر هذا المزيج عن أفكار مباشرة حملت وقتها أصداء الأجواء السائدة للشباب الراغب في الرحيل والهجرة وصراع بين مقولات إيلوا بترك المكان ، ونظرة أمه المتفائلة بضرورة "الإصلاح في إطار الحدود العملية "...
لكن كان هناك أيضا أشياء ناقصة أو مفتعلة أو ملوي ذراعها ... ورُفض هذا المزيج من مكانين مختلفين في 2013 ، قُبلت في أحدهما (مهرجان والبقية تأتي) بنص آخر من تأليفي (مرايه) ... وقال لي المشرف عن مشاريع الإخراج في المقابلة الأولى لنا عن أسباب اختيار اللجنة لمشروعي هذا، وعلق بشكل عابر أن المشروع الآخر الذي كنت متقدمة به لا يسفر عن شيء جيد، والنصين لا علاقة لهما ببعض وتبدو الكتابة متنافرة عن بعضها وغير تلقائية ... أحبطني هذا بالطبع على الرغم من سعادتي وقتها لقبول مشروعي الآخر ودهشتي لذلك، لأنه كان بالنسبة لي "رقم 2" بينما كان رقم 1 هو مزيج "الحرق العلني" .
"الحرق العلني" ... تدور الأيام والشهور، لأجد النص بين يدي أو أمامي وأنا أقلب في أشيائي بين الحين والآخر، وفي كل مرة أعاود قراءته بذات الحيرة وذات الاستمتاع وذات الانبهار الخفي وذات الشعور بالأسف اتجاه كونه نصا أجنبيا وبالفصحى ويدور في زمن ومكان آخر ويحمل أبعادا أخرى قد لا يتجاوب معها المشاهد المصري..
"والآن أعرف كيف يفضي كل طريق إلى طريق " كما يقول "روبرت فروست" ...
فقد كانت جلستي الصدفوية تلك أحد أيام 2014 مع السينوغراف والمخرج الشاب "عمر المعتز بالله" والتي قال لي فيها رأيه الصريح بعرض "مرايه" حاسمة بالنسبة لكثير من الأشياء ... خاصة تلك الجملة التي علقت بذهني لحسن الحظ، من أن المخرج الجيد هو من يقرأ مابين السطور المؤلفة ويظهر بصريا ماليس موجودا بسطور النص... وسألني: هل هناك شيئا في عرض "مرايه" الذي قمت بإخراجه مختلفا عن نص "مرايه" الذي قمت بتأليفه؟ أم أن كل ما فعلت كان أن "نفذت" ما سبق وسطرته نصا؟
بدا حينها أن كل تصرفاتي السابقة تجاه النصوص – سواء نصيّ اللذين كتبتهما وأخرجتهما، أو محاولتي المتجددة الفاشلة اتجاه "الحرق العلني" -  بالتعديل في الكلام أو الحذف والإضافة مع كل إعادة تقديم للعرض في مناسبة مختلفة كانت محض عبث .. فأنا أتصرف في "النصوص" .. أتصرف كـ "كاتبة" ... وليس كـ "مخرجة" سلطتها ليست على الكلام المكتوب (حتى وإن كانت هي مؤلفته) لكن في الحلول التمثيلية / البصرية/ الصوتية/ = الإخراجية ليكتسي النص ثوبا مختلفا له بصمة "إخراجية" مختلفة.


كان بابا مذهلا لمراجعة الذات ذلك الذي فتحه "المعتز بالله" .. وإن كان محبطا قليلا ورغب بي عن تقديم أي عروض أخرى كمخرجة خلال منذ أغسطس 2014 وحتى ما قبل الآن بقليل (يونيو 2016 .. وتعددت الأسباب من أني أريد تفرغا للكتابة وتحقيق ذاتي ككاتبة أولا – ولم أخلص اتجاه الكتابة طوال هذا الوقت حتى وإن شاركت في ورشة جماعية لكتابة عرض هنا أو هناك أو أخذت جائزة هنا أو سافرت هناك  -
أو أني لست جاهزة ومستعدة بعد، أو أن ظروفي لاتسمح بالعودة للإخراج خاصة وهو "وجع قلب" بدءا من دائرة البحث عن مكان للبروفات ، وتجميع فريق العمل المناسب، ومواعيد البروفات التي يتم العراك على عدم الالتزام بها من معظم الناس كل مرة ، والميزانية التي يحتاجها العرض للديكور والملابس وإن كان هناك تسجيل صوت .. إلخ ... ومسألة البحث عن مكان للعرض سواء كان مسرحا للعرض ولو ليلة واحدة أو مهرجانا هنا أو هناك يلم مجهودات الفرق الحرة والهواه والمستقلين / مازلت لا أدري فروقا واضحة في هذه المسميات بالمناسبة ! / ثم القلق اتجاه يوم العرض والدعاية وهل سيأتي جمهور أم لا؟ وعندما يأتي الجمهور هل سيعجب بالعرض ويتجاوب معه أم لا ؟ ثم السؤال الوجودي: هل نقدم شيئا ذي جدوى؟ هل ما نفعله مهم وله معنى؟ أم نفرغ طاقة ونقضي وقتا لطيفا ونستمتع باللعبة المسرحية فحسب؟
"وجع قلب" حقيقي كان من الأسهل تلاشيه والابتعاد عنه بحياة روتينية مملة مابين العمل والبيت أو حضور فاعلية ما هنا أو هناك.. أو "قبول" ما يسنح من فرص "عملية" فحسب، دون سعي حقيقي اتجاه شيء..

لا أعرف ما الذي جعلني أعود ثانية لـ "وجع القلب" المحبب بأخذ قرار بالعودة لممارسة الإخراج المسرحي – كهاوية طبعا - ... هل هو الشعور بالثقل الذي صار يسحب ظلاله على الحياة – حتى الحياة الإبداعية نفسها كتابةً – دون مسرح؟ هل مضي الوقت دون إنجاز شيء مما وعدت نفسي بإنجازه؟ هل ذلك الحدث الطاريء أيام كنت أدير مشروع القراءات المسرحية بالمسرح القومي – كموظفة وكجزء من عملي – واعتذر أحدهم عن يومه بشكل مفاجيء، فاضطررت للتصرف بتقديم قراءة مسرحية لنص "الحرق العلني"؟ هل تعليق إحدى الحاضرات بأنها "لم تستمتع بالنص، ولم تشعر به" حتى وإن كانت قراءة الممثل والممثلة جيدة كإذاعة البرنامج الثقافي؟ هل الجرعة المكثفة من العروض المسرحية غير الممتعة وغير المميزة مؤخرا استفزت داخلي ذاك التحدي القديم وتلك الروح الراغبة دوما في "استكمال الناقص وسد الثغرات وملء الفجوات وتقديم ماليس موجودا"؟ والتي تخفت وتستكين ولا تبالي عندما ترى "الدنيا تمام" و"الحاجات عظيمة" فتشعر أنها لا يهم أن تفعل شيئئا مادام هناك آخرون يفعلون؟

المهم أني قررت العودة .. وليس بتقديم عرض واحد، بل بتقديم ثلاثة عروض كانت نصوصهم الثلاث تطاردني كل الفترة الماضية، أحدهما منذ 2011 وهو "الحرق العلني" ، والآخران منذ 2013/ 2014 ...  وكنت أكتب ملاحظاتي اتجاههم وأفكاري اتجاه ما يمكن عمله عندما يسمح الزمان "على شط النيل" أقصد "على خشبة المسرح"

وأنظر الآن بدهشة لما تراكم لدي اتجاه "الحرق العلني"، وما تطور إليه الأمر وما صرت قادرة على قراءته واستخراجه من بين السطور دون أن أمس ما فوقها.



ليست هناك تعليقات: