السبت، فبراير 20، 2016

رحلة أسبوعية بسبب جنة الشياطين

قررتُ ألا ألقي بالا لتلف أسناني، وطيران أنصافها المفاجيء.. فقط: المسكنات والمضادات الحيوية كانت تفي بالتهدئة اللازمة للألم.

كنت أحسبها هكذا: حسب الحلم الذي حلمته منذ حوالي العشر سنوات، فلم يكن يتبق أمامي سوى عامين على الأكثر في هذه الحياة.. وحتى لو كان الحلم كاذبا، فالواقع يقول أن الموت قرر حصاد جيلنا بالذات مبكرا ... وما يدريني أن رأسي ليس هو القادم تحت منجله في قطفته القادمة؟  وسيكون بالتأكيد من الأسهل على الأرض لتحيلني ترابا أن تقل عدد أسناني .. 
وبالتالي فليس هناك من داع لحشو أو علاج، فقط المسكنات والمضادات الحيوية تعمل بشكل جيد.
 وأعتقد أن هذا القرار لم يخص أسناني فقط، وإن لم أقلها لنفسي بصوت عال. محاولة ألا أستدعي بخيالي أي أمراض أخرى
******

من سخرية القدر أن تتعبنا الأسنان هكذا في كل مراحل حياتنا، بل وموتنا أيضا: نسنن صغارا فتزيد حرارتنا وتؤلمنا اللثة ويصيبنا الصداع ولا نستطيع نوما ونظل نبكي دون أن يستطيع ذوونا تخفيف آلامنا... 
تنمو قليلا فنظل نختبرها في كل ما حولنا من مواد صالحة للأكل كانت أم لا .. 
نتبدل من الطفولة إلى المراهقة فتقع أسناننا اللبنية، وتنمو لنا أسنان جديدة، ربما بآلام جديدة.. 
نصل منتصف العمر فيوقظنا ألم الأسنان والتهاباتها .. 
نصل حافته، فنصير غير قادرين على طعام أو شراب بسببها بشكل أساسي... أو بسبب فقدان معظمها .. 
نموت ، ونتحلل، وتمر بنا القرون إثر القرون، ولايتبقى منا سوى بعض العظام مع بعض الأسنان ... 
أليس غريبا أنكِ تفقدين بسهولة هكذا ونحن على قيد الحياة، فإذا متنا كنتِ آخر ما يبقى؟ 
وأليس غريبا أن يكون الطرد المزعوم  لآدم من الجنة بسبب تفاحة؟ في حين كان يختبر أسنانه التي لم يكن طفلا ليجربها في كل ما يصلح ومالايصلح للأكل.. في كل ماهو مسموح أو ممنوع لأكله... آدم الذي استيقظ ليجد نفسه قد وجد مكتملا ..وغريزته الطفولية التي لم يعرفها سوى كشيء غامض جدا ألحت عليه أن يجرب كل شيء بفمه أول ما يجرب.. ليس لليد معنى، ليس للقدم، ليس لأي حاسة من الحواس سوى الفم الذي لم يذق ثدي أم أبدا ... 

*********

 غير قراري السابق بتجاهل مشاكل أسناني وما قد يطرأ لا قدر الله من مشاكل تعتري جسدي، فيلم : "جنة الشياطين" الذي شاهدته كاملا مؤخرا فقط







كانت ملهمة تلك اللحظة التي فتح فيها الأشقياء فم "طبل" بعد موته ليسرقوا منه سنته التي اعتقدوها ذهبية ... فهو لن يكون بحاجة لها هناك .. في العالم الآخر ... وإزدادت اللحظات إلهاما، بعدما استعاده ذووه.. فإذا بهم يحممونه (وهو على حاله من الموت) / أو يغسلونه بمصطلح إسلامي، ولا أعرف هل يسمى الأمر هكذا في الثقافة المسيحية أيضا أم ماذا /... ويشترون من أجله بذلة فاخرة ، ويحضرون طبيب أسنان ليمنح أسنانه شكلا مقبولا .. 
بل ويركبون له سنة ذهبية حقا .. 
إنه ميت !! صحت داخلي وأنا أشاهدهم وهم يحولونه من شريد "معفن" إلى واحد "على سنجة عشرة" وهو يستقبل الموت .. 
ربما بالطبع هذا لأنه حسب التقليد المسيحي - كما نراه على الأقل بشكل معتاد في الأفلام الأجنبية- سيتم وضعه في التابوت، ليلقي عليه المعزون نظرة أخيرة قبل أن يوارى تابوته التراب.. فليس أقل من أن يبدو غير مخيف أو مقزز للزائرين، إضافة بالطبع إلى وضع أسرة "طبل" في فيلم "جنة الشياطين" وحرصهم على المظاهر وعلى محاولة استعادة مكانة وسمعة مفقودتين كان الفقيد سببا في فقدانهما بتشرده.. فإذا بهم يحاولون طمس ما فات بموته، ومحاولة الاستعانة بموته نفسه في أن يغفر الآخرون له سمعته السالفة. 
 .. 
وبعيدا جدا عن الصراعات والأحوال السيكولوجية لأبطال الفيلم، فإن الفكرة قد راقتني حقا: أن يمضي المرء اتجاه الموت مهندما .. أن يعيد وديعة جسده كما أخذها: في حالة جيدة على الأقل! 

لذا، بدأت الرحلة الأسبوعية إلى طبيب الأسنان من جديد.. ويبقى أيضا حقيقة مفادها أن هذا لا يزعجني، فأنا أثق في أطباء الأسنان وأكثر نوع من الأطباء أستريح في التعامل معهم.

--

أجلس كثيرا أمام المساحة البيضاء، ثم أتركها دون أثر، لأعاود لاحقا محو الـ "درافت" الذي سجل اللاشيء. 

لست في حالة جيدة.. أعلم هذا علم اليقين ... ليس بسبب ألم أسناني، ليس بسبب أي شيء مادي سوى أن روحي صامتة، وتنزلق إلى ظلمة الصمت يوما وراء آخر دون كتابة ، ولا في دفاتر يومياتي.. 

مثقلةٌ أنا بالخيبات .. وأنا أفقد يوما وراء يوم إيمانا جديدا ... بدأ بالدين، وهاهو يبنتهي بالصداقة ... وربما يأتي الدور على "المعنى" ذاته. 

سأحاول معاودة الكتابة هنا.. حتى لو كانت لاقيمة حقيقية لها سوى نفث بعضا من ألم أو أمل.