الجمعة، سبتمبر 26، 2008

إلى الفتيات الوحيدات


من العبث حقاً أن تقع أيا ً منكن في وسط الطريق لتنتظر من يساندها
أيتها الفتاة الوحيدة : سأكف لعبا ً لدور الحكيمة ، أو الموجهة الأخلاقية ، أو المصلحة الاجتماعية .... و سأقول لكِ ما أعتقد فيه حقا ..
أيتها الفتاة الوحيدة : لا تنتظري من تعبري الجهة الأخرى في ظله أبدا ً ... لا تنتظري من يمسك بيدكِ أوقات الأزمات و يقبلها قبلة ً خفيفة

أيتها الفتاة الوحيدة : لا تتواطئي ... لا تقبلي بدور شهرزادٍ متسولة تدور على قلوب الآخرين تنتظر منهم عطفا أو اهتماما ... أو تتسول من شهريار ما إبقاءا ً على وجودها في ذاكرته ... حكاياتها ؟ ليست ثمنا لشيء .... فحكاياتها لا تصلح ثمنا ً لشيء ... إلا لحياةٍ تأخذ هي فيها دور البطولة ، و تتضاءل فيها هامات الآخرين التي يضخمها خيالها
أيتها الفتاة الوحيدة : اتركي كفة الميزان و اقفزي من كل ما لم يتزن من معادلات ... اتركي كل الأشباه التي تصيرين فيها شبها ً باهتا ً لشيءٍ ما ، أو يصير فيها آخر شبها ً باهتا ً لشيءٍ ما ... عليكي فقط ألا تهتمي ...
لا تهتمي و امضي في طريقٍ خاصٍ بك .. لا تحاولي إصلاحا لماضٍ ليس بيدك أمره ... هي فقط : تلك القوة النائمة في مكان بعيدٍ بداخلك ... هي فقط تلك الملامح التي تشكلين بها وجهك ... هو فقط كل ما تستطيعين منحه لذاتك .. فهي وحدها التي تستحق .
أيتها الفتاة الوحيدة : كل الآخرين حولك سيمتصون حميمية وحدتك للحظات ، و يلفظونها وحدةً متوحشةً شائهة الملامح .. تتضخم و يكبر وحشها في وجودهم الذي تسعين إليه
أيتها الفتاة الوحيدة : غني بصوتٍ عال أغنيات مرحة ... صوتُك سيمنحكِ أمنا ... و اسمحي لكِ بأغنيةٍ شجويةٍ وقت الأصيل ، فقط ... لا تخجلي من دموعك عندها ، هي فقط ستربتُ عليكِ و تمنحكِ مزيدا من القوة

أيتها الفتاة الوحيدة : لا تدعي أحدا يقتحم وحدتك ، أو يستغلها فيمتص رحيقها و يتركها وردة ً مدهوسة

أيتها الفتاة الوحيدة : لا تخجلي من وحدتك ؛ بل ارفعيها شارةً أمامك ، و اشتري كيساً من الحلوى و البنبون و البالونات ... و كلما عضتك الوحدة ابحثي عن طفلةٍ في الطريق ، ربتي عليها و امنحيها حلواكِ .. و إذا ما قررت الوحدة إعتزالك ، فلتستبدلي بالحلوى البالونات ...
أيتها الفتاة الوحيدة : تجملي أمام المرآة ... اذهبي لمصفف الشعر ... اختاري أفضل ملابسك بعناية ... و تأنقي جيدا ... و اخرجي لشراء هدية مفاجئة لكِ : وردة ... كتاب ... عطر ما .... اشتري هديتك بحماس ، و زيدي البائع ابتسامةً فوق الثمن ، و اهمسي لنفسك : كل لحظة و أنا طيبة و قادرة على الامتنان لوجودي ... لوحدتي ... و لهذى الحياة .

الخميس، سبتمبر 25، 2008

إجراء أساسي


أثرثر مع الآخرين ... أتشاكس مع الباعة ... أهاتف الأصدقاء و الصديقات ... أحكي أين ذهبت و من قابلت ... و مع هذا تبقى الفجوة و الإحساس بعدم الاكتمال .... يبقى الصداع الذي لا يُذهبه سوى إجراء واحد يشعرني بالسكينة حقاً : الكتابة ....
الكتابة ... هل هي منتهى نرجسيتنا أم مبتدأها ؟ معرفتنا أم جهلنا ؟ تبصرنا أم طيشنا ؟ هي الملاذ أم الوهم ؟

الثلاثاء، سبتمبر 23، 2008

خلاص


البنت الفرنساوية كانت تحب الرجل ... الرجل كان يحب البنت الفرنساوية .. من الصباح حتى المساء .
يفطران مع البحر ، ترحل أحاديثهما المشتعلة مع موجه .. يُشهدان كل الأماكن على قصتيهما ... تغفو بذراعيه بينما يضع حبات العنب بفمها تحت الشجرة ... يرقصان طوال الليل ... تترك على خده قبلة سريعة كي تلحق بطائرتها .
في الصباح ... تترك على جبينه جدتي قبلة ، تتفتح عيناه ، يبتسم لها ، و تتلون في عينيه النظرة بالمتناقضات وهو يعلم أنها لن تسأله أين كان بالأمس ، و لا من تلك البنت الإفرنجية التي كانت معه ... فقد كانت تعرف ..
قالت - عندما كبرتُ قليلا ً و سألتُها -
: " أنا مالي باللي راحت و اللي جت ؟! اللي راحت راحت ، و اللي جت كلها يومين و تروح ، مادام جدك كان بيرجع ينام وسطينا بالليل ، يبقى خلاص. "

السبت، سبتمبر 20، 2008

ألم ؟


مغامرة أن تذهب لطبيب الأسنان و أنت تشعر بالضعف .. أو .. الحزن .... أو تلك الحالة التي تشعر معهاا بأنك ( غلبان ) جدا ... تقف أمام السيارات المتعاقبة حائراً تخشى العبور و تخشى سرعتها البطيئة ، و تلك المسافة التي تفصلك عنها أن تتناقص - على بعدها النسبي - ، تتلفت حولك عساك تجد من يعبر لتعبر في ظله ، فلا تجد ..... و لا تعبر إلا بعد خلو الشارع من السيارات ..
تلك الحالة التي تخشى فيها من السقوط ، و تشعر أن تلك الأحجار الصغيرة التي تصادفك من حينٍ لآخر تتربص بك لعرقلتك ، بل إن الإسفلت نفسه مستعد للتواطؤ مع حذائك لينزلق عليه فتسقط ..
تلك الحالة التي تشعر فيها بالانكماش ، و أن أبسط صوت أو علامة تبجح أو مشاكسة و لو من طفلٍ صغير قد تفزعك ، و تُرمِش عينيك و توجل قلبك ، و قد تبكيك
تلك الحالة التي تبدو فيها هشا ً جدا أمام أضعف مفردات العالم ، و مستعداً جدا لأن تُخدش من هوائه
تلك الحالة التي تشعر بحنين عجيب للبيت ... للوحدة .. و البكاء .... أو لمن تثق فيه جدا ، و تأتنس به جدا - ذلك الغير موجود - و يربت عليك بعطف
تلك الحالة التي تدري معها كذب كل ما استقر داخلك عن معنى " البؤس " ، لتدرك أن البؤس حالة نفسية بحتة ، ليس لها علاقة كبيرة بالفقر أو الغنى ، بل لها علاقة بكيف يشعر المرء بذاته ..
يبدأ طبيبك في تحضير أدواته ، و إعطائك حقنة البنج ، و رغما ً عنك تسيل دموعك ...
" فيه ألم ؟ "فتهز رأسك نفيا ً - و لا تستطيع أن تُكمل بأنك تتوقعه - ... يستكمل عمله في حركتين ماهرتين ، تنهمر دموعك و تظل مكانك ظانا أنه لم يخلع ضرسك الزائد بعد ، فإذا به في كيسٍ بلاستيكي ينتقل إلى يدك ..
تمتن لأطباء الأسنان ... الوحيدون الذين تثق بهم من الأطباء ... تأخذ الضرس المتطفل الذي زاحم بقية أسنانك طويلاً دونما هدف ... تأخذ فمك المتنمل المحشو دما ً و قطنا ً ... تأخذ دموعك غير المكتملة ، و شعورك بالبؤس ، و تتحضر لصداع ٍ ليْلي و أكوابٍ من الماء و المِلح .... و تكتب لنفسك ملحوظة بألا تذهب لطبيبٍ و أنت عليل النفس .

الثلاثاء، سبتمبر 02، 2008

خيانة مع سبق الإصرار

عندما امتلكتُ قاربا ، لم أكتف بالإبحار به في المناطق الآمنة و الأماكن الخلابة فحسب ، بل كان لزاما عليّ التوغل وسط الأمواج العالية و الريح و العواصف ، كان عليّ بعض الاستكشاف و بعض المواجهة للصعاب .
البلوج/ المداونة ... هذا الكيان الانترنتي الشخصي - مهما يكن ما تطلق عليه من أسماء - هو قاربي الذي أبحر به منذ أكثر من عامين
لم أتعامل معه غالبا باعتباره منفذا للـ " كتابة " الأدبية أو النقدية أو الصحفية حتى - كما انتويتُ كثيرا أن أفعل - ، بل ... كان في معظمه سرد مباشر لأفكاري ، أو انفعالاتي تجاه أشياء ، أشخاص ، أو مواقف ، و عرض كثير من حياتي الشخصية عليه - تلك التي لا يعرف كثير من أصحابي المقربين عنها شيئا إلا من خلال البلوج -
و حقا لم يكن لهذا فائدة تُذكر غالبا سوى لي : قدرتي على مواجهة نفسي ، و عقد نقصي ، و أن أكون " أنا " بلا تجمل و بلا خجل مما قد يفكر به الآخرون عني
و عند منحى " التشريد " الذي ذُكر في التعليقات على البوست السابق ، أجد أني من حين لآخر " أُشرد " شخصا ما أو كيانا ما : نفسي ، عائلتي ، أحد الأصحاب أو الصويحبات .... إلخ
كانت " حياة " بطلة رواية " فوضى الحواس" لأحلام مستغانمي تقول أنه في كل كتابة خيانة لذكرى ما أو لشخص ما
هل لأن الكتابة اختزال للآخرين و الانتفاع منهم في تحويلهم لكيانات ورقية قد يربح منها الكاتب شهرة أو مالا ؟
هل لأن الكتابة انتهاك لمعبد الخصوصية التي شاركنا آخرون إياها ؟
( مع كل كلمة تكتبها أنت تخون شخصا ما ... أو ذكرى ما )
أم ربما لأن الكتابة هي فعل " فضح " لا نجرؤ على ممارسته أو الإنصات إليه في الحياة ؟
فضح لما تعتقده حقيقة و ما تراه ، ما يشعلك و ما يطفئك ، ما تحبه و ما تخشى مواجهته
و لأنها دائمة أيضا ... هي ذاكرة بذاتها .. ذاكرة تستحق أن يخشاها الأخرون
طوال السنوات الماضية ، أذكر عدة مرات شاهدني فيها أبي و أنا منغمسة في الكتابة ... ربما كانت خواطرا أو محاولات أدبية أو تعليق على شيء شاهدته أو قرأته ..... و كان التوتر و القلق و أحيانا السؤال المتوجس عما أكتب سمة أساسية ، خاصة إذا ما أصاب اليوم أي توتر سابق في المنزل
أدركت جليا أن أبي يخاف من الكتابة ..... يتساءل بينه و بين نفه عن الصورة التي ربما تكون الكلمات قد رسمته بها ... تلك الكلمات التي تبقى هناك بشكل دائم محسوس على الورق .... حتى لو كان ذاك الورق مكدسا في أحد الأركان و لا يطلع عليه أحد
لن يخاف أيٌ منا من الصورة التي ربما تكونت عند شخص ما أو عند الأخرين كلهم قدر أن نخشى من أن نتحول لكلمات لها وجودها ... كلمات ربما تديننا ، و ربما تغير حقيقتنا ، و ربما تبرز جانبا واحدا فقط من الصورة
أعترف أني مارستُ الخيانة كثيرا مع كل مخطط كتابة أنتويه ، أو قمت به ، و أني مارستها كذلك على صفحات المداونة
و الخيانة لا تنتفي مع تحول المباشر لغير المباشر ، أو الحياة لفن ... ففي كل قصة أو قصيدة أو عمل فني ما خيانة أيضا ، لكنها خيانة انتقائية جدا
خيانة ماكرة : تُخلد ما شئت من مشاعر و أفكار و انطباعات خلالها ، و تحولهم إلى كتلة دائمة الوجود ، و لا تدع أحدا يلاحظ فعلتك أو يدرك هدفك