‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، مارس 12، 2013

و امتلأ الرصيف

استمرت المفاوضات بينهما لفترة اعتصمت هي فيها بالمراوغة: ما بين أن يمسك يدها أو يقبلها أو يعانقها – بعد أن كان يريد كل شيء مرة واحدة.
على الرغم من كل التحفظ فيما بينهما الذي منعه أن يقترب ليفعل ما يريد وقتما تراءى له، لم يمتنع من أن يجتريء لطرح الموضوع كأمرٍ يستحق المناقشة و الأخذ و الرد و المفاوضة.
محترما خصوصيتها على أية حال، طلب أن يقترب دون طرح مشروعات كبيرة أو صغيرة.... و وافقتْ!

عندما فكرتْ في الأمر، وجدتْ نفسها سترتجف و قد تبكي إذا ما قبلها أو لمس يدها، فاختارت أن يعانقها.

مدركا ً للمعضلة التي لم تكن لتسببها مسكة يد في مكان عام أو في الشارع أو قبلة سريعة مختلسة عند إلتهاء الآخرين في ذواتهم و شؤونهم الخاصة، أشار:
- " المشكلة أنه ليس هناك من مكان يمكنني أن أفعل ذلك فيه"
ضحكتْ باستمتاع : أعرف ذلك
اغتاظ من ملاوعتها : "يا لئيمة !"
فأضافتْ بوقار أنها فعلت ما عليها و أعطته سماحا ً بأن يقترب، و ليس لها شأن بأية أمور أخرى!

****
أماكن التقائهما أماكن وداع: محطات القطار في بلديهما أو في بلدٍ وسيطة ، مواقف الأوتوبيسات، المطار أحيانا.. كلُ ما هو خليق بفرض حقيقة الابتعاد/ المسافات/ و تنائي عالميهما حتى في اللحظة التي يقتربان فيها.
معرفة أو صداقة أو عمل، لم تكن التسميات لتفرق كثيرا، لكنها كانت تفرق في اللحظة التي يطل فيها مسمى الحب برأسه ليؤرقهما غير واثقين من حضوره أو غيابه.
كان صريحا معها: " ساعات بأفكر فيكي، لكن ما أعرفش إن كان حب و لا لأ"

***
ما بين قرارات متضاربة من الابتعاد و الاقتراب، إلغاء علاقتها به أو الاقتراب منه كانت تتخبط، خاصة و أنه لم يَدِّعِ كونه فارسا ً أو مِقداما .. يتقبل ما تأتي به الأقدار و الظروف، و يتصرف بناءا عليهما، دونما خطط أو مشروعات أو وعود و آمال و طموحات لشيء.. لم يكن يريد شيئا حقا ً ، بل لم يكن يريد أن يريد شيئا .. تتساقط الأشياء و الوجوه منه تِباعا فلا يهتم أو يتوقف لالتقاط شيء. يعرف أن التشبث لا يجدي.. أن الفقد محتم، أن عليه ألا يريد شيئا كي لا يفقد شيء. و أخيرا ً قررت: فلتكن المرة الأخيرة.

**
تحدثا كثيرا جدا، قالت له أنه لن يفتقدها لأنه اعتاد ضياع الأشياء منه، بل ربما لا ينتبه لعدم وجودها كما لم ينتبه حقيقةً لوجودها.
قال لها أنها لن تفتقده، لأنه لم يكن أبدا ، و لم يدع كذلك ، أنه الفارس المغوار الذي تنتظره.. فهو ضعيف ، و وحيد .. و ليس في جعبته ما قد يلون أيامها أو يمنحها إبتسامة في يومٍ غائم.
قالت له أنه لم يكن ليستطيع معها صبرا .
قال لها أنها لم تكن لتجد ما تريد و تبحث عنه معه.
قالت أن هذا قرار صائب.
قال أن هذا هو عين العقل.
صممت أن تحمل إحدى حقائب سفره حتى رصيف القطار، فجعلها تحملها معه. مد يده ليسلم عليها السلام الأخير. بدا عفويا جدا عندما تعلقت برقبته في عناقٍ صادق لا أثر لاشتهاء او خجل أو تردد فيه، أو لاكتراث بالناس الكثيرة حولهما. لتتركه ينظر لها في تحجر و هي تبتعد دون إضافة كلمة واحدة.
*
*
 ابتسم و لم يجب عندما سأله من ركب إلى جواره عن ما إذا كانت تلك أخته أم زوجته.
*

 كل شهر.. في نفس الموعد.. كانت هناك فتاةٌ و حبيبها يتعانقان علانيةً على رصيف محطة القطار دون أن يشك الناس سوى في أنها أخته أو زوجته، و دون أن ينتابهم سوى الإشفاق من افتراقهما.. لم يعد أحد يُدهش أو يحدق كلما شاهد رجلا و امرأة يتعانقان على رصيف محطة القطار. و لم يفترق منهما حبيبان على شك إلا و اجتمعا ثانية ً على وجه اليقين.
*

 عندما تسربت الحكاية لبقية النساء، صرن تأخذن أزواجهن إلى محطة القطار ليتعانقوا علانيةً ثم تودعنهم و هم يركبون القطار إلى أية جهة محتملة .. لأجلٍ غير معلوم ...سوى الرغبة الحقيقية لهم بالعودة.. عندما يريدون.

الأحد، مايو 13، 2012

ثلاثة وجوه




تأخذني الخفة، فأشعر و كأني أسير فوق سحاب تدفعه الهواء برفق و سرعة لأصل إليه ... كانت تلك اللذة المختلسة ما بين دروس الأحياء و الفرنساوي و التي أترك فيها صديقاتي بتعجل و حماسة تُصعد الغيرة أو الغبطة إلى أعينهن ... و هن يفتقدن ذلك الظل الذي يصحب ظلهن و ذلك الشعور بالألفة و الاندفاع اتجاه آخر ...

أرقب الأولاد في المدرسة الثانوية التي تعترض طريقي و هم يقفزون من فوق السور ، لا أسوار هناك لدي سوي بعض الكذبات الصغيرة المنمقة لأمي و للزميلات المشتركات بين الدرسين اللاتي لا صلة كبيرة بيننا ...
فقط صديقاتي تبتسمن في مكر و فرحة نتشاركها و حسد مع ذلك ..

كانت البداية في محطة القطار : ذاهبة لزيارة عمتي في محافظة مجاورة – وحدي لأول مرة - ، و ذاهب لزيارة أحد أقاربه ...
و كان الإصرار على معرفة اسمي بعد تبادل بعض الجمل العادية جدا  ...
"اسمي مش أي حد يعرفه "
"اسمك الأول بس ، هوه أنا بأقولك اسمك بالكامل و لا عنوانك ؟ "
" اسمي غالي ما ينفعش يتقال لأي حد "
" من ساعة ما شوفتك و طريقة حركتك و كلامك زي الأميرات ... فخلاص مش عاوز أعرف اسمك ، هسميكي "أميرة""

ساعتان من الكلام المتواصل ... و قبل أن أفارقه، أخرجت ورقة و رسمت عليها اسمي ، طبقتها بعناية و دسستها في كفه و أسرعت بالمضي خجلة ...

أبتسم عندما أجد ذلك التكامل بين ألوان ملابسنا ... و كأننا قد اتفقنا مسبقا على ارتداء ملابسا معينة لنكون لائقين في انسجام ألواننا معا ...

كنت أصدق صديقاتي عندما كنا نمر بفتاة و شاب، فيهمسن في مكر : "الألوان متناسقة" ... كإشارة إلى أنهما حبيبان أو خطيبان ، و قد اتفقا مسبقا على ألوان ملابسهما ...

بعد أن تصدر هو الصورة ، لم أعد أصدق تلك النظرية، نظرية :"الاتفاق المسبق" ... لأننا في كل مرة كنا نرتدي ملابسا منسجمة جدا دون أي اتفاق ...

و اقتنعت إحداهن عندما صادفتنا و سلمت علينا ، ثم مالت على أذني هامسة : "الألوان متناسقة"
فرددت الهمس : "مش متفقين "


****

"أحسن حاجة في الدنيا إن الواحد يتمشى مع الناس اللي بيحبهم"

قالتها على استحياء بابتسامة ، التقطتها فورا لتترجم إلى عقلي بسهولة : "أنا أحب " ... فابتسمْت

كثيرا ما كنا نقطع مدينتنا الصغيرة مشيا  لساعات في استمتاع أنا و هن ، و نحن نتحدث عن كل شيء ...
ها هي قد وجدت من تفعل ذلك معه غيرنا ...

بشكل ما ، نعرف أن الطريق قد يطول و يصبح مملا و سخيفا إذا ما كان المرء يسير فيه مع من لا يرتاح إليه ... و يصير قصيرا و ينتهي سريعا لدرجة تضطر فيها إلى إعادة السير في نفس الشارع أكثر من مرة ذهابا و إيابا مع من تهتم لأمرهم و تحب صحبتهم .. و ما أقلهم ...
و كنا نقيس مدى إمكانية أن تصير زميلة جديدة ضمن مجموعتنا من عدمها من ذلك الاختبار الصغير:  تمشية طويلة معها ...

و من شباك المدرج كنت ألمحهما بأسفل .. تسير هي بخفة و طفولة على سور الرصيف ، و يسير هو إلى جوارها  على الأسفلت في تناغم بعد أن قطعا كل ذلك الطريق من كليتهما إلى حيث كليتنا في الجهة الأخرى تماما من الجامعة ..


***

كانت تخاف بشدة من عبور السيارات ... و كانت إحدانا تتولى مسؤلية العبور بنا ... فقط كانت تعبر بجسارة مثيرة للدهشة في حالتين: عندما تجد أحد من يهمها أمرهم أكثر خوفا منها، فتتشجع و تتولى مسؤلية أن يعبرا بسلام ... و كثيرا ما كانت شجاعة في حضور أختها الأصغر مادمنا لسنا معهما ...

لكن دهشتنا كانت أكبر عندما وجدناها تعبر الطريق بجرئة شديدة مع وجود ابن عمها الذي يقف في الاتجاه الذي تأتي منه السيارات و هو يعبر بها، فإذا بها تسبقه و تتخطى السيارات كلها بسرعة و ثقة و جرئة غير معتادة منها أبدا و تتركه خلفها بمسافة كبيرة ...

"ما بطقهوش "  "شخص لزج"

و عندما سألناها عن العلاقة ، أجابت بأن عبور السيارات بشخص هو فعل حب و حماية ... و أنها ترفض حمايته عليها ... و صارت تتوغل في نظريتها لـ "عبور السيارات" أكثر ، فتقول أن طريقة كل شخص في عبور السيارات - تحديدا عندما يعبر بآخرين -  تكشف عن الكثير من شخصيته و مدى امكانية الاعتماد عليه في الحياة ...

لم نصدق نظريتها إلا عندما شاهدناها بعد خطوبتها : خطيبها يعرج بقدمه و يمشي بها في صعوبة، تعبر به أحد الطريقين بحكمة و سكينة ... ثم يتبادلان الأماكن و تسير في ظله في صبر و قناعة و اطمئنان و هو يعبر بها الطريق الآخر ...




الجمعة، مايو 20، 2011

مكرونة سريعةالتحضير

* مكالمةٌ صباحية كفيلة بأن تجعل يومك رائقا ..
و مكالمة صباحية كفيلة بأن تجعل يومك مشتعلا بالسخط و الغضب مهما تكن الأشياء الودودة في طريقك .
كفيلة بمسخ ابتسامتك لتحيلها باهتة مفتعلة ، و بمسخ روحك فتجدك تتكلف الكلام و الثرثرة و الحماسة ... و تستسهل الادعاءات ...

قالت أني أعاني من أعراض رومانتيكية متأخرة ، و عليّ أن أجد لي علاجا ...


=====================
* حمقى !!

"إندومي لكل الناس ، في كل وقت" !!
حملة دعاية غبية .. ترفع شعارا غبيا و غير لافت و غير حقيقي ..
في حين أنها لو ركزت على المزايا الحقيقية للمنتج لجعلت كل الناس تأكل إندومي في كل وقت فعلا و دون أن تقول ذلك بتلك السذاجة ... قلتُ لها، فقالت أني مهووسة بتلك الأشياء حتى لألتفت إلى تقييم دعايتها ..

===================

"كلي أكل حقيقي "

لا ألقي بالا لكلماتها و لا لتحليل الدم و الأنيميا التي يعلن عنها بتشفي .. أفتح كيس المكرونة سريعة التحضير و أسُكن جوعي ...

"سيبيه ، و شوفي حد تحبيه بجد .. مش تدمني وجوده و خلاص "

أعدها بذلك .. ثم ... أفتح كيس المكرونة سريعة التحضير ... و أفتح الهاتف على رقمه ...

=================

أسوأ ما يمكن أن يفعله رجل بامرأة هو أن يستفز أمومتها نحوه، لا أنوثتها ... فيقيدها بالحنو و الحنين و العطف و التسامح و الصبر ... و يسلبها كبرياؤها و انطلاقتها و خفتها و تدللها و عنادها و عزيمتها و جمال رشاقة روحها ..
أسوأ ما يمكن أن تفعله امرأة بنفسها هي أن تظل ممسكةً بيده مستسلمةً للغرق ...
قالت، فشرعتُ أداري قيودي عنها ، و أدعي صلابة ..
================

اهتزت الدنيا مرة واحدة تحت أقدامي.. البياض يحاوطني ... أيام؟ أسابيع؟

"
الأكل بنجر و كبدة و سلاطة و خضار ، و ما تكليش من بره و لا أي حاجة فاست فود"

= " و لا المكرونات سريعة التجهيز لحد ما تخفي و تملي شوية" أكدت على كلام الدكتور ..

أبحث عن هاتفي، مكالمات عديدة فاتتني .. من الأهل .. الأصدقاء .. زملاء العمل، و لا أثر لاسمه ...
ألمح تاريخ اليوم .. يوم ميلاده ...

ضغطتُ الحروف بصعوبة ، أتيت باسمه و رقمه ..
Delete

أغمضتُ عينيّ و استحضرته أمامي :
كـ "روز" في تيتانك، تركتُ يدك لتغوص إلى الأعماق الثلجية وحدك ..

لتدعني أحيا و أمسك الصفارة و أنفخ فيها بكل قوتي عسى آخرون أحياء يمدون لي يد الحياة ...
في عيد ميلادك ، أغمضتُ عينيّ و أطفأتُ في خيالي لك شمعة و تمتمتُ بها بإيمان: " عام سعيد جديد لك .. بدوني " ..
لملمتُ نثارات وجودي في عالمك و رحلت.


الخميس 19 مايو 2011 1 ل
اللوحة للفنان "رينيه مارجريت"

الجمعة، ديسمبر 31، 2010

الظل تصنعه الأضواء


"ء..ء..الشششششش....مممممممم...سسسس "

أغمضتُ عينيّ قليلا ً و أنا أنطقها داخلي بنفسِ طريقتِه، و أشعرُ بكلِ حرف ٍ فيها: ما بين َ انتشار ِ ضوء، و ضم ِ دفء، و همس ِ الكائنات وقت َ الظهيرة.

ذاك الوقت، لم يصحبني حتى ظلي.. كان ظلي – و ظل الأشياء كلها- قصيرا ً ظهيرة اليوم.

انتبهتُ له من جديد و هو يقولُ بلعثمتِه تلك أن الشمسَ تطردُ العفاريت و الأرواح الشريرة التي تطارده طوال الليل، فتبلل فراشه، و تتلاعب بظلال زوجته النائمةِ إلى جوارِه، كما كانت تتلاعب بصورة أبيهِ على الحائط، فتُشَكِلُها بأشكال شيطانية ..

كان مُغمضا ً عينيه و هو يزحفُ ما بينَ الحروف. تسللتُ من جوارِه مطمئنة ً إلى كفاءة الكاسيت، أعددتُ الغرفة َ المجاورة َ بنفسي سريعا ً لتلائمه.

كان يرتجف بحق، و يدمعُ أحيانا ً بينما كنتُ أراقبه من وراء الزجاج (الفيميه) و هو يرسم أشباحه ..

بعد أن مضى، تأملتُ لوحة َ أشباحِه المزدحمة بالوجوه و الخطوط و الأماكن و الكائنات... تذكرتُ لوحة َ أشباحي: بيضاء .. ثلجية.. لا أثر َ فيها لخط ...

أغمضتُ عينيَّ من جديد و أنا أنطق الكلمة بطريقته – بصوت ٍ يقتحم بياض السكون هذه المرة :
" ششششششششششششمممممممممممسسسسسسس " .
=======================
إرتجالتي في مغامير لشهر نوفمبر
الخميس 25 نوفمبر 2010

السبت، ديسمبر 18، 2010

كلاكيت رابع مرة: فراغ

"محتاجة حد يحضني"
كانت تتمتم لنفسها في الحلم الذي خلا فجأة من شبح أي رجل من أولئك الرجال الذين اعتادوا على مناورتها بالأحلام...
تنبهت فجأة إلى خيالها الخصب الذي اعتاد ملء الفراغات و تنصيب أحدهم بطلا لأحلامها: قريبها البعيد الذي تراه بالعام مرة أو اثنتين..خجول .. غير واثق.. مستدفيء بذاته و مستغني بها عن العالمين.. لا يحكم على أحد ، و يتقبل الآخرين بكل اختلافاتهم، طبائعهم ، بل و نقائصهم و ضعفهم البشري.. جولاته المتعددة في تجارب الحب و ذائقته الخاصة في التعامل مع المرأة تضفي عليه جاذبية خاصة دوما ... بساطته و وضوحه كانا يجعلانها تأمنان له و تثق فيه ثقة مطلقة .. لا تعرف تماما ما الذي أضافه خيالها من كل هذا ، و ما هو الحقيقي.. لكنها كانت تستدعي وجوده ، فتحادثه، تتدلل عليه، تحن إليه، و تستثار أحيانا عند تخيله يلمسها.. تستدعيه أحيانا ليكون إلى جوارها في زفافها محتلا الكرسي إلى جوارها، و في أحيان أخرى: كصديق عزيز يشهد معها هذا اليوم و إلى جوارها شخص آخر...
أما الشاب الذي يكتب في جريدتها المفضلة، و يظهر ما بين الحين و الآخر على شاشة التلفاز... ..
تقتنص كلماته على الورق و ابتسامته على الشاشة و ترسم أبعاد شخصيته: مثقف - ذكي - يحترم الآخرين - متحمس - بسيط - في صوته رنة صدق ما ، و هي ضعيفة جدا أمام كل ما يحمل في ملامحه لمحات صدق..
فتتخيل حبكات مختلفة للقائهما معا ، لإعجابه بها ربما ... و لخيوط قصة ما يغزلها خيالها بطرائق مختلفة في كل مرة ...

و صديق أخيها الجنتلمان الذي ساعدها في الوصول لفرص جيدة في العمل... كانت ممتنة له لدرجة أن صارت تحلم بالكوارث تحل عليه من كل جهة ، و هي تقف إلى جواره في بسالة تسانده و تساند أبناءه الصغار - بعد أن أماتت أمهم في خيالها قضاءا و قدر - ...

كل شهر ... و بعد أن تكتمل إحدى بويضاتها و تبدأ في الاستعداد للتحلل.. ينتابها نفس الحنين و نفس الخيالات ، و تنتقي بطلا جديدا لتلك الخيالات و الحبكات ... و التي تنتهي بالاستعادة العقلانية لما تعرفه بالفعل من نشاط خيالها و من بعد الصور التي ترسمها عن أصولها الحقيقية ، إضافة بالطبع لعدم صلاحية أيهم واقعيا للاقتراب العاطفي منهم .. لكن فاجأها حقا أن يخلو حتى الحلم من شبح رجل يصلح ...

كانت تتفهم خلو الواقع ممن قد يحمل ملامحا تجتذب روحها إليه...

كل هذا الكذب، الخوف ، الإدعاء الذي يعيش فيه وطن بأكمله يندر أن ينتج رجلا يصلح لأن تقدره و تحترمه و تحبه حقا امرأة ...

كان البرد يزداد داخلها لحظة وراء أخرى ، و الجملة تتردد بهستريا في آرجاء روحها العاصفة:
"محتاجة حد يحضني"

الثلاثاء، يونيو 08، 2010

صانع العرائس


هو لا يختار بالضبط... فقط: تلك الأكثر إلحاحاً و تواجدا و إصرارا هي من تفوز بنظره إليها.
هكذا يبدأ عمله دوما: يغرس عينيه بعينيها، بكل ركنٍ و كل جزءٍ فيها؛ حتى يقتنص نظرتها و حركات جسدها . ثم، يبدأ تلمساً و صنفرةً لكل أجزائها بعصاه السحرية.
نظرة.. فتفوتة..و ورقة توت تنقص البنت، ثم نظرة أخرى.. فتفوتة أخرى و ورقة توت، ثم فتفوتة مع نظرة و ورقة توت.. ثم ورقة توت و نظرة و فتفوتة. *

يسجن كل ما جمع في زجاجة سحرية شفافة و لا يبين فيها شيء مع ذلك ، و بمنشاره يسوي جسد البنت كما يتراءى له. بعضٌ من دماء، بعضٌ من وجع، لكنهن يبتسمن. قد تتغير الابتسامة بعد إكتمال التحول إلى عروسة سحرية مكتملة الصنع تُشدِه الآخرين و تصبح محل إعجابهم و محاولات إقتنائهم.

مبهورةٌ بهن جميعا و بلمسته الساحرة لهن، كانت تطوف حوله. تناوله ألواناً ، أو حبة بندق، أو منديلاً يمسح تعرقه أو دمعه أو ملله الغاضب. أو تخبيء من أمامه الأشياء أو تجذبه من كمه مشاكسةً عله يلتفت إليها و يحولها هي أيضا إلى عروسة مسحورة، فيعطيها نهداً أو اسماً أو غوايةً أو قاعدةً تحملها و تدور بها أو تنورة قصيرة دائرية و جسدا رشيقا و موسيقى تحملها على أطراف أصابعها لتدور بها حول العالم كله، أو تحديا غاضبا بالعينين مانعاً مانحاً و مُقرباً مُبعدا في نفس اللحظة
أو إنكسارة موجوعة بهما تعطي حنينا و دفئا مختلطان بالألم.

ترقبهن في صمتٍ واحدةً واحدة.. و هن تتهافتن حوله في مرح و دلال و سعادة، و كلٌ تمني نفسها بأنها ستكون أفضل عرائسه و أحسنهن حظاً و أتقنهن صنعا ، و أنه سيمنحها وحدها لمسة سحرية جديدة لم تكن بإحدى عرائسه قبلا.
كان يمنعها إصراراً على محاولاتها الطفولية للفت إنتباهه عدمُ تيقنها من أنها ستصبح أسعد حالا بالتحول حقا لعروسة مسحورة. تنظر إلى الفتيات و هن تتحولن إلى عرائس: أوقاتا في غيرة، و أخرى في شفقة و تألم، أحيانا في حزنٍ أنها ليست مكانهن ، و أحيانا في رضا و سعادة لنفس السبب. لكنها، كانت تسرق إبتساماتهن خفية ثم تعيدها، أو تقلدهن خفية بعدما صرن عرائسا سحرية، فتقف على أطراف أصابعها، تسرق موسيقاه المسحورة، و تظل تدور عليها إلى أن يهدها التعب.
اللحظة الوحيدة التي رآها تدور فيها و خطر بباله أنها ستكون عروسة سحرية جيدة الصنع جدا ... بل قرر فعليا أن تكون أفضل عرائسه على الإطلاق، أدركت هي فيها أنها لا تريد أن تنقص نظرة أو فتفوتة أو ورقة توت .. و أنها لا تنتمي حقا لعالم العرائس ، حتى و إن كانت عرائسا مسحورة.
===========================
* (عن قصيدة: "بأتجوز على كل ناصية حارة" لـ هشام الشرقاوي :
" و البنت بتنقص فتفوتة.. أو نظرة.. أو ورقة توت" )

السبت، نوفمبر 29، 2008

على هامش المهرجان


" لازم بطاقات دعوة للدخول "
يجيبني أحد القادمين من هناك ... لا أهتم ، و أواصل التقدم ... أنظر لقائمة العروض لأكتشف وشك الفيلم على الانتهاء ، لكن رغبتي في الدخول مازالت قائمة ...
" صحافة ؟ "
يسألني أحد الواقفين
" لأ ... "
" لازم بطاقات دعوة علشان تخشي ... و .... بصي ... تعالي ، أنا هأدخلك "
يقود الطريق أمامي لأجد أننا قد دخلنا بسلاسة دون أسئلةٍ من الحرس .... يفسح لي الطريق في قاعة عرض الأفلام ، أجلس و أجده قد جلس إلى جواري ...
" انتي بقى إيه علاقتك بالسنيما ؟ عاوزة تمثلي ؟ "
" لأ ... مش ينفع أبقى مهتمة و خلاص ؟ "
"بصي للفيلم و انتي بتتكلمي "
يرن جرس الهاتف متواصلاً بينما البطلة ممدة على الأريكة بيأسٍ ما
" يعني انتي مش عاوزة تدخلي المجال ؟ "
أوجه نظري نحوه ثانيةً : " يعني ..... بأحاول أكتب سيناريو "
أحاول معرفةً لكينونته ... تُضاء القاعة لأكتشف أني لم أشاهد شيئا
" حضرتك مين بقى ؟ "
" زي ما قلت لك " على " ، و من غير " حضرتك " ، و من غير " أستاذ " "
أُصر على معرفة كينونته
" واحد كان مهتم زيك ، و دلوقتي بقى شغال في تنسيق الحاجات دي "
..أراه سبباً معقولا لمساعدته إياي ....
" بأشتغل على طول في المهرجانات ، لو عاوزة تحضري أي حدث ابقي قوليلي بس و أنا أدخلك ... و أعرف ناس كتير في المجال ممكن يساعدوكي "
" عظييييييييم جدا "

" تحضري الندوة ؟ "
" عاوزة أبص ع المعرض اللي في قصر الفنون "

يفسح لي الطريق ، يتبعني ..يواصل أسئلته ، و أجد أنه لا ضير من أن يوسع المرء دائرة معارفه
أشعر بكفه على كتفي - عفوا بالتأكيد - أنكمش و أفسح المسافة بيننا ...
يقدم تحليلاته لي ما بين الحين و الآخر
ندخل إلى القاعة ، أشعر بكفه ثانية على كتفي - عفوا ربما - أنكمش على ذاتي أكثر و أُسرع خطاي
" انتي مهتمة بإيه بالظبط ؟ أنا حاسس إن عندك طاقة جامدة و إن جواكي مليان "
" عادي ... بالفن عامة "
" و الحب ؟ حبيتي قبل كده ؟ "
على خصوصية السؤال ، لم أُفجأ ، فقد أصبح من الأسئلة الشائعة هذه الأيام التي يعتقد السائل أنه يكسب أرضا إضافية بها مع من يسأله .... أجبتُ و أنا أعرف أن إجاباتي كلها لا تعني شيئا .. فهي إجابات تقريرية مسطحة لأسئلة أعاملها باعتيادية
" وريني إيدك كده "
أبسط كفي بتلقائية أمامه
" إيدك عرقانه "
يمسك كفي ... " و باردة " ..... أسحبه بسرعة
" انتي عصبية شوية ، مش كده ؟ "
" باين عليك قاري كويس في علم النفس " ... يصور بعضا من اللوحات ، أتركه إلى حيث قاعة أخرى ... أجده خلفي ...
" سوسو " .... أتجاهل طريقته في النداء
" سوسو " ...... بالتأكيد ليس هذا اسمي
" سندس " .... ألتفت نحوه ...
" صوريني جنب التمثال ده "
أضبط كاميرا هاتفه النقال ، و ألتقط صورة له
" الصورة بعيدة كده ليه ؟ تعالي لما أصورك جنب اللوحة دي "
" شكرا مش عاوزة "

" طب إيه بقى يا " حُبي " اللي منتظراه من الحب ؟ "
أتجاهل طريقته في السؤال وأتركه إلى الجانب المقابل من القاعة
"
انتي بتخافي من الناس ، صح ؟ حتى خفتي لما لمستك"
"ما بأخافش و ما بأحبش حد يلمسني ... "
" ليه بس يا " حبيبي " ، خليكي فريش كده "
" لو سمحت ما تستخدمش اللفظ ده معايا "
" ليه ؟ بتتكسفي ؟ "
" بأحس بس إن الناس بتبتذل الألفاظ أكتر من اللازم .... لازم أروح على فكرة ، أنا اتأخرت "
" هاوصلك ... تعالي من هنا "
أتبعه صعودا و هبوطا بين القاعات التي يفضي بعضها إلى بعض ، لنصل إلى طريق مسدود
" غلط على فكرة ... السكة الناحية التانية "
أتقدم الطريق و أسبقه بمسافة كبيرة ... باب الخروج أخيرا .... أجده خلفي ، و أشعر بكفه على كتفي ، اقف و ألتفت إليه بحدة ، و أنظر إليه بحسم :
" لو سمحت إيدك ما تلمسنيش تاني "

بعض أنظار العاملين تلتفت نحونا
يؤخذ ... يتراجع قليلا ... أسير ، ثم أجده ورائي من جديد :
" يا بنتي عيشي حياتك ، مش تبقي قافلة على نفسك كده ، انتي انثى ... بنت جميلة و جذابة ، ليه بتتعاملي كده ؟ "
" ما ينفعش أتعامل على إني إنسانة بتعامل بني آدمين ؟ ما ينفعش أحافظ على خصوصيتي ؟ "
أتعثر في أحد الحواجز الحديدية و أسقط ...
" شفتي توترك عمل إيه ؟ "
يُخرج منديلا و يمد يده ليمسح وجهي ... أتراجع خطوتان ، لكني آخذ منه المنديل
" خلاص خلاص ... أنا هاسيبك تكملي لبره الأوبرا لوحدك ، سلام ؟ "
يمد يده نحوي ، أنظر له وهلة ، ثم أسلم عليه بقوة تناقض دفء يديه و ليونتها ... ألمح دهشةً ما على ملامحه ، و تساؤلا كاد أن ينطق به لولا أن سبقته خطواتي على كوبري قصر النيل ، و أنا أتنفس الهواء الليلي المنعش و أتأمل إنعكاسات الأضواء الملونة و الموج الهاديء يؤرجحها على سطح النيل .


الثلاثاء، سبتمبر 23، 2008

خلاص


البنت الفرنساوية كانت تحب الرجل ... الرجل كان يحب البنت الفرنساوية .. من الصباح حتى المساء .
يفطران مع البحر ، ترحل أحاديثهما المشتعلة مع موجه .. يُشهدان كل الأماكن على قصتيهما ... تغفو بذراعيه بينما يضع حبات العنب بفمها تحت الشجرة ... يرقصان طوال الليل ... تترك على خده قبلة سريعة كي تلحق بطائرتها .
في الصباح ... تترك على جبينه جدتي قبلة ، تتفتح عيناه ، يبتسم لها ، و تتلون في عينيه النظرة بالمتناقضات وهو يعلم أنها لن تسأله أين كان بالأمس ، و لا من تلك البنت الإفرنجية التي كانت معه ... فقد كانت تعرف ..
قالت - عندما كبرتُ قليلا ً و سألتُها -
: " أنا مالي باللي راحت و اللي جت ؟! اللي راحت راحت ، و اللي جت كلها يومين و تروح ، مادام جدك كان بيرجع ينام وسطينا بالليل ، يبقى خلاص. "

الأحد، يونيو 08، 2008

اقتناصٌ ليلي

انتفضتُ من مكاني بسرعة
وقعت أشيائي على الأرض ، فلم أهتم ... هرولت لأغلق النور ، و فتحت الشباك على مصراعيه
كنّ ثلاثة تقفزن و تدُرن و تصحن بنشوة :
" الدنيا بتمطر ، و عزيزة بتنشر "
مددتُ ذراعيّ بأقصى ما أستطيع ... كان المطر يتساقط حقا بغزارة تناقض ذلك الهواء الكسول الذي لا يستطيع مداراةً لرائحته الصيفية
جعلت المطر يصافح وجهي و شعري ، و لم أبالي بدخوله الغرفة أو تسلله إلى السرير
مرّ نظر إحداهن بي ، انتبهت لوجودي فابتسَمَتْ خَجِلة ، لكنها لم تكف مع زميلتيها قفزا و دورانا و رقصا بطريقتهن الخاصة :
" الدنيا بتمطر ، و عزيزة بتنشر "
قاومتُ رغبتي في الابتسام لها .... ركزتُ في عينيها أكثر ... و أكثر ... ثم ، في روحها أكثر و أكثر
و حدث ما أردت
تركتها ذاهلة ً على إبتسامتها و هي تنظر لي من الشباك ، بينما أقذف بـ ( شبشبها ) الصغير من قدمي ، أمتع قدميَّ بملمس التراب المبلول ، أهز شعري يمنة و يسارا متدللة ً على المطر الذي يداعب رأسي ... أقفز و أدور و أرقص رقصتي الخاصة ، و أنا أصيح بأعلى صوتي مع زميلتيها :
" الدنيا بتمطر ، و عزيزة بتنشر "

السبت، فبراير 09، 2008

يقين


آثرتُ لملمة بعض الياسمين من الأرض عن قطفه من الشجرة خلفي
لم أجلس نافدة الصبر ، و لم أنظر في الساعة كثيرا ً -- كنتُ أفحص زهرات الياسمين معي
وجدته أمامي مرة واحدة -- حل الارتباك بإبتسامتي ، و وضعتُ الياسمين في الحقيبة بسرعة ، و قمت معه



" قهوة "
كان مطلبنا متشابها في " إيليت "
منتحتني اللوحات الفنية المرصوصة على الحائط بعض الألفة بالمكان الذي تناثرت زجاجات " البيرة " على بعض موائده



- " تفتكر اللوحات دي أصلية ؟ "
- " ما أعرفش -- بس مش هايفرق --- ماحدش بياخد باله من وجودها في الأساس "



كان يغلب على داخل المقهى الوجودُ المتوحدُ المكتفي بذاته للأفراد الذين يسامرون مشروبا ما أو " زجاجة بيرة " ، بينما تركز وجود ما يشكل جماعات في الواجهة التي تطل على الشارع
كانت منضدتنا تسمح برؤية المكان كله بوجودها بالركن الداخلي للمقهى -- بل ، و تشرُب الجو المميز للمكان -- بلوحاته ، إضائته الهامسة ، مناضده الكبيرة المرتفعة ، أغنيات ال" جاز " و " البوب " القديمة التي تنبعث من ( غرفة ) إعداد الطلبات ، الجرسون الخمسيني ذو الابتسامة شديدة التهذيب

" اسكندرية منورة "
" منورة ذاتيا على فكرة ، لا بيا و لا بيك "
ابتسم ----- " اللماضة المعتادة "
" أكيد "



العمل -- الدراسة -- الصحة و الحال ---------كانت الأسئلة المعتادة بإجاباتها المعتادة يتم دفعها بين كل فترة صمت و أخرى
" خرجتي قبل كده مع حد من باقي أصحابك هنا ؟ "
" آه أكيد "
ثم تابعت --- " حتى من قبل ما يكون لي أصحاب هنا --- اسكندرية كلها صاحبتي "
" مافيش فايدة " ردد ضاحكا
" أبدا " --- أكدتُ له
"
عدنا لصمتينا المعتادين ---- " وجودُك كلام " -- همستُ لي ---" وجودي معك كلام "
" تيجي نتمشى أحسن ؟ "
وافقتُ بترحيب



و كالعادة -- عادتي و عادة كل من أعرف من أصدقاء -- صار تمشينا تلكؤاً و فضولا ً و وقوفاً أمام بائعي الكتب بشارع النبي دانيال



" بأدور على كتب " سارتر " "



لمحتها خلف الاسم و الاهتمام
لم أعرف عنها سوى رتوش قليلة جدااا -- كان أهمها على الإطلاق : أنه أحبها
الحب -- التكامل -- البدايات المبشرة المندفعة -- و النهاية الباردة التي لم تؤثر برودتها على حنينه الدائم لها



" قرتيله حاجة ؟ "



لم أعرف لِمَ هذا الاحساس الطاغي بوجودها



" يعني -- بس انت بتدور على كتاباته في الأدب ، و لا الفلسفة ، و لا علم النفس ؟ "
" علم النفس ؟ "
" آه -- كان كتب عن " الانفعال " قبل كده "
" ماكنتش أعرف " --- و استكملنا طريقنا



حوارٌ مبتور -- عدم محاولة أيٌ منا لافتعال حديث أو اهتمام -- جيد --- لا بأس على الإطلاق
" بصي " --- أشار بيده لللافتات التي تعلن أسماء الشوارع --- يونانية حينا -- عربية اسلامية حينا -- رومانية حينا -- و حديثة حينا آخر



ابتسمتُ
( هنا أيضا هي الآن )
أصبحنا ثلاثة في تجوالنا في شوارع محطة الرمل و تفرعاتها -- أنا -- هو -- و هي كطيفٍ يصاحبه ، و لا يدري أني أشعر بوجوده أنا أيضا
بل ؛ ربما نسير الآن بنفس المسارات التي سارا فيها معا من قبل ، و يعيد إبداء ملاحظةٍ أو أخرى قد أدهشتها أو لفتت انتباهها من قبل
إنه الحبل السري الذي يربطنا بتجاربنا الأولى



" كان يوم حلو --- شكرا جدا "
قلتُها و أنا أنظر في عينيه مبتسمة
( صديقٌ عزيز --- أستطيع النظر في عينيه مباشرةً دونما قلق أو شعورٌ بالخجل ) -- فكرتُ و أنا ألوح له من نافذة " المشروع "
( هل لمح طيفا ما إلى جواري أنا أيضا ؟ ) --- تساءلتُ و أنا أعبث بمحتويات حقيبتي لأجد أزهار الياسمين قد ذبلت تماما ً ، و إن نثرت عبقها بأرجاء الحقيبة .

الثلاثاء، سبتمبر 26، 2006

مسافة



حاول أن يحتفظ بمسافةٍ كافية بينهما ..... أن يتحدث ، يبتسم ، ينشغل بتفصيلة ما هنا أو هناك إلا أن يلاقي عينيها
لم يكن لديها سوى صمتٍ مُحبَط لترد به
و لم تفعل كالأيام الخوالي : فترفع رأسها لتمعن في عينيه بشجنهما الذي تعشق ، و لمعة الحياة المطلة برأسها من شقوق ذلك الشجن ... ثم ، يطيلان النظر إلى أعين كل منهما الآخر في لعبة نفس طويل فيما بينهما ... تتسلل الابتسامات ، حركات الوجه الطفولية تلك أحيانا .. ثم ، قبلة طويلة يندهشان لاختلاف طريقتها كل مرة
كفا عن لعبة تبادل النظرات لفترة طويلة ذات مساء شتوي دفيء . كان الأمر شديد الجدية تلك الليلة ، لم يحاول أحدهما الإتيان بحركة ما بوجهه أو إفلات إبتسامةٍ ما ... استطابا الرحيل في عيني كل منهما الآخر
و لم تشعر سوى بالدموع تغرقها ... كان مؤلما .. جميلا جمالا لا يحتمل و قاسٍ في ألمه ذلك التماس بين روحيهما . شعرت و كأنها قد رحلت حقا و تركت جسدها لتسكن مع روحه في جسده هو
يومها ، و على الرغم من عقلانيته الزائدة ، إلا أنه استوعب الأمر ... جرى إليها ، غطى عينيها بيده و أخذها من يدها إلى الغرفة ... أنامها و أحكم حولها الغطاء
جلس إلى جوارها و أخذ يهدهد عليها إلى أن نامت
لم يقبلها تلك الليلة و لم يقترب منها ، ظل في الشرفة في ساعات الليل الباردة يدخن و هو شارد ، و به ألم لا يدري له سببا
ظلت يومين تتجنب لحظة دخوله إلى المنزل ، قل كلامهما ، و كاد أن يختفي مزاحهما ، و شعر و كأنها تحولت إلى كيان مقدس لا ينبغي له الاقتراب منه ... بل ؛ مر اليومان بعزوف حقيقي من كلاهما عن تلك الحياة الحميمية التي تجمعهما في الليل غالبا
و حين بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها ، كفا عن اللعبة ، و اتفقا ضمنيا أنها أكبر منهما ، و اكتفيا بنظرة قصيرة نسبيا مختلطة بابتسامة شغوف حينا ، متشوقة حينا ، حنينية حينا ، و ماكرة حينا ... يبدأن بعدها مباشرة طقوسهما المعتادة / المتجددة
---------------------------------------------------------
" كده ممكن تبردي "... معتذرا ، مواجها ، مستعيدا لاتزانه كان صوته
ثم لفتها إليه ... لم تكن عيناها تستطيعان لوما أو عتبا له ، لكنه الألم .. مختلطا بنظرة استعطاف ربما خلف الدموع التي ملأت عينيها
حاول أن يضمها ... ابتعدت نفس المسافة التي كان يحاول الإبقاء عليها عندما دخل ... تلك المسافة التي تضمن عدم وصول رائحة الكحول إليها
" طب اتكلمي طيب "
" لوميني حتى و بلاش الألم اللي في عنيكي ده "
" أنا مش مدمن خمرة يعني ، ده مجرد كاس "
زادت دموعها و هي منكسة الرأس
-------------------------------------------------------------
دُهش معظم المعارف ، الأصحاب ، و الجيران من الخبر
فالعلاقة المميزة جدا فيما بينهما عندما وُجدت كان ذلك مفاجأة صادمة و غير منطقية للجميع و بخاصة عندما تحولت ارتباطا موثقا
و مثل تلك النوادر عندما تحدث ، يكاد المرء أن يجزم بعدها أنه من المستحيل أن تنفك عراها ،
بينما أكدت إحدى الجارات أن الزوجة لابد و أن أتت بفاحشة مبينة ، و من شهامة الزوج أن ابتعد عن الفضائح و اكتفى بتطليقها ، و روت تفاصيل انكسارتها أمامه في الشرفة و وجهه الهاديء الرصين و هو يحدثها
و خمن البعض أنه قد ظهرت أخرى في أفق حياته ، أو أنه قد عاد لاحدى أخرياته السابقات
أما هي ، فانغمست في صلاتها و قراءتها ، و اعتدت ألمها في فراقه عقابا لها على إشارتها الخضراء لحبه و هي تعرف جيدا أن حياتيهما متوازيان لا يلتقيان

الخميس، مايو 11، 2006

هل مازلت هناك؟



أسمع صريرا ، وترتفع لافتة صغيرة بنفسجية في الجانب بوجهٍ باهتٍ شبحيّ معلنةً أن " الفارس " قد أصبح " أوف لاين " ...
لم نكمل كلامنا بعد .. هل غضب؟
لكن القواعد كانت واضحة : لا أسماء ... لا صور .... لا كاميرا ... أو مايك ..
فقط.. مجاراة للرغبة في التحدث مع شخص ما لاتعرفه .. ربما كالحديث إلى مسجلٍ ما .. لكن الفارق أن الذي يلعب دور المسجل يستوقفك أحيانا .. يسألك عن شيء ما ... قد يستفزك ، وربما يكون يكذب عليك أيضا ... لكن .. من يهتم؟
يبهجني الصرير هذه المرة مع اليافطة البنفسجية ذات الوجه المضيء المبتسم
..
"آسف .. حصل عطل "
" افتكرتك مُت "
"ماتخافيش لما أموت هاتعرفي برضه "
"؟"
"لأني هاقولهم هنا يبلغوا أصدقائي ع النت لما أموت ويخلوهم يقروا لي الفاتحه "
" مين قالك إن إحنا أصدقاء أساسا ؟"
"تاني؟"
"احنا مجرد معارف"
لا أعرف كيف امتد الحوار بيننا لعدة ساعات دون ملل ... تُرى .. هل كذب عليّ في شيء ؟
لا أعتقد ذلك
!
---------------------------------------------------------------
كانت القواعد واضحة : لا أسماء .. لا صور ... لا كاميرا ... أو مايك
....
لكن ...هل هذا يكفي كي لا تعرفه؟
---------------------------------------------------------------
"بقالنا ست أشهر في الحبس "


"؟"
" حبس القواعد اللي احنا ماشيين عليها "
"انت لسه فاكر .. انسى بقى "
" أنسى القواعد ؟"
" انسى انك تتمرد عليها "
"طب نتناقش"
"؟"
"عندي حيثيات نقض جديدة "
هكذا هي الديمقراطية ... تضع المرء في مطب المناقشة ، وعند الاقتناع تصبح الطامة الكبرى بالتعرض لمنطقة جديدة لم يتواجد فيها المرء من قبل ، ولا يعرف ماذا تكون نتيجتها ....
" هافكر ، والمرة الجاية أوعدك نتفق "
" اتفقنا"
-----------------------------------------------------------
أسبوع من الافتقاد .... ثم ..
- كل شيء تمام
- لي أصدقاء رائعون حقا
- أقضي معهم أوقاتا رائعة
- أنا بخير تمام
ا

ولم تنس الضغط على زر الإدخال ( انتر) بعد كل جملة ، بعدما وافقتْ على أن تلك الرسائل سيتم ارسالها عندما يكون هو على الخط

..


------------------------------------------------------------

- اليوم فعلتُ أشياءا رائعة
- كل شيء تمام
-أنا في أحسن حال
- كل شيء تمام حقا
- لا ينقصني أي شي
ء
لماذا تصبح اللغة هكذا ؟ ... لن أنسى على أية حال الموافقة أو زر الإدخال
..
----------------------------------------------------
- اليوم لا يختلف كثيرا
- فأنا بخير وفي أحسن الأحوال
- هل سأسمع منك قريبا؟

ودائما هي لا تنسى .
----------------------------------------------------
ظلت برهة تحدق في الشاشة وتتفحص ما لديها من رسائل ... محتها دون رد - بعد خيبة أمل ...


- أفتقدك كثيييييييييييييراااااااااا أفتقدك كثيييييييييييررررااااا أفتقدك أرجوك أجبني رد عليّ حقا أفتقدكلم تنس ، لكنها لم تضغط زر الإدخال ... فقط ... محتْ كل ما كتبتْ .


-----------------------------------------------------
رسائل كثيرة " أوف لاين " ذهبت ْ ولم يأت رد عليها ...
و إحساسٌ غريب لم يُعرف موقعه من الصحة ....
فلم يكن هناك من دليل سوى رسالةٍ صدئة ... صوت باب لم يعد يُسمع .. و لافتةٌ بنفسجية صغيرة في الذاكرة ... ووجهٌ ظل شاحباً أبداً .