وعلى الرغم من أن فصلنا كان يُسمى ب " فصل الفائقات " ، على وجه الحقيقة ، فدخوله لم يكن تبعا للتسلسل الأبجدي كما هو في باقي الفصول ... إلا أنني كنتُ أعتبر أن الفائقات حقا في هذه المدرسة كلها ثلاثة فقط : ماريانا - شيماء - نيرمين / على الترتيب / و أن الفائقة حقا في مجتمعنا هذا كله - فيما أعرف - هي ماريانا
كان يدهشني إحمرار وجهها بعد إنهماكها في لعب السلة التي تعشقها وتتقنها و كانت تدهشني خطواتها أكثر ، و خفتها وهي تقفز لتلقي بالكرة في الشبكة وتنجح دائما على الرغم من قصرها النسبي
انهماكها في دروس الموسيقى وفي العزف على الأوكورديون كان عزفا منفردا تماما وسط آخرين يسمون حصة الموسيقى ب حصة " فوضى " ..... و يفعلون أي شيء إلا التفكير ... مجرد التفكير في الاقتراب من ذلك العالم ....حتى معلمة الموسيقى نفسها ... تكتب الدرس ، قد تعزف مقطوعة قصيرة ، ثم تجلس ، وتعطي الأوكورديون ل "ماريانا " التي تعزف - وسط ضوضاء ولغط ولغو - تنهمك ... و تعزف .... وتسأل المعلمة لتساعدها على مضض أحيانا ... وبلامبالاة أحيانا ... و مرحبة أحيانا ثالثة
كنتُ أنهمك أنا في نقل الدرس و محاولة لفك طلاسمه : خمس سطور .... أربع مسافات...... مفتاح صول .... فا لا دو مي ..... صول سي رى مي فا .... و محاولة لقراءة المقطوعة الصغيرة ... محاولة لفك طلسم عنصر " الزمن " ، و الفارق بين النوار ، الراوند ، البلانش ، الكروش ، والدوبل كروشو نادرا ما استطعتُ الضغط على مفاتيح الأكورديون و تعلم شيء ما من ماريانا التي كانت تأخذ دروسا في البيانو (مما كان معلومة مدهشة في حد ذاتها ) ...
ويوم الندوة الدينية ...جلست المدرسة بأسرها في الفناء الطويل الواسع ... و في الخلف ... جلستُ معها
تناقلت أياد كثيرة ورقات الأسئلة حتى وصلت إلى" الشيخ "و منهم سؤالها- " انتي بجد هاتبعتيه؟"
* " أيوة " ... في ثقة أصرت
- " براحتك ... بس بيتهيألي مش هايردوا عليه "
" ما الفرق بين ذكر السيدة مريم في القرآن ، وذكرها في الإنجيل ؟
"
كانت " ما الفرق بين " واضحة جدا ، بينما مضى بقية السؤال كغمغمة سريعة لم يدركها سوانا أنا وهي
- " مش قلت لك؟ ... دول حتى ماكملوش قراية السؤال و ركنوه على جنب "*
" مش مهم ... المهم إني سألت ... المهم إني عملت اللي عاوزاه ، حتى لو همّ ماجاوبوش"
-------------------------------------------
بضع مرات تحدثنا ... بضع مرات ... لا أعرف إن كنتِ تتذكريني
الآن أم لالكني كنتُ أنبهر ... بكل ما فيكِ ... و بثقةٍ وكبرياء وبساطة و قدرة على التساؤل عجيبيين وغريبيين تماما عن مجتمعنا كله ... لذا ... مازلت ُ أتذكرك