الجمعة، مارس 09، 2018

تشيلي ومصر بين القبو وقفص الدجاج




في عام 2013، وأنا أقرأ رواية "بيت الأرواح"- المكتوبة عام 1982 واصفة تشيلي 1970، شعرت أن "إيزابيل الليندي" ترصد مصر ذلك العام وليس تشيلي، وهي تتحدث عن طوابير السيارات أمام محطات البنزين وطوابير البشر أمام المواد الغذائية،والنقص الحاد في الخدمات،واحتكار السلع، وخطة اليمين في تشيلي لضرب سلطة الرئيس المنتخب وقتها "سلفادور ألليندي".
أراجع ذلك الجزء وتطوراته من الرواية الآن وأدهش وأنا أرى "الحاجة زينب"، فبعد الانقلاب العسكري في تشيلي 1973، والذي تلاه انتهاء السوق السوداء: "ذهبت النساء في غبطة الأيام الأولى كي يتبرعن بحليهن في الثكنات من أجل إعادة بناء الوطن "  "وامتلأت البلاد بأناس يرتدون البزة وآلات الحرب والأعلام والأناشيد والاستعراضات، لأن العسكريين لم يكونوا يجهلون إلى أية درجة يظمأ الشعب للطقوس والرموز."
أدركت أن التشيليين يسبقوننا عدة خطوات سياسيا وإجتماعيا، ولربما تسير مصر بعض الخطوات المماثلة: المظاهرات -الثورة -الائتلاف الشعبي ووصول أول رئيس منتخب ديمقراطيا للحكم (وإن بعصر الليمون) -الانقلاب العسكري بعد بلبة الشارع التشيلي -وأخيرا عهد من الديكتاتورية وانتهاكات الدولة والاختفاءات القسرية... ثم قفزتهم اللاحقة إلى الديمقراطية والتنمية والتطور، أنالنا الله الوصول إليهم.
 
ولّد لديّ هذا فضولا اتجاههم واتجاه تجاربهم الفنية، خاصة مع كونها معبرة عن الثقافة التشيلية والتطورات الاجتماعية والسياسية هناك، لذلك كان الحرص على حضور عرض تشيلي هذا العام في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر: "قفص واحد، طائر اثنان" أو "المرأة الدجاجة"، خاصة بعد العرض المسرحي المميز لتشيلي بالمهرجان العام الماضي2016  "Bunker "  القبو".
 
لنجد عرض هذا العام مخيبا للآمال وفجوة كبيرة بينه وبين عرض العام الماضي.


          المرأة الدجاجة:

العرض مبني على قصة حقيقية لأم حبست ابنتها المتأخرة ذهنيا داخل عشة دجاج مدة عشرين عاما، وأصبحت الفتاة وقصتها رمزا لضحايا الديكتاتور "بينوشيه" في تشيلي. يقيم العرض أوجه الشبه بين هذه الأم التي حبست ابنتها داخل عشة الدجاج، والنظام الديكتاتوري السابق الذي اعتمد على القمع والتعذيب والإخفاء القسري للمعارضين.  فقد شهدت تشيلي اضطرابا شديدا توج عام 1973 بالانقلاب الذي أطاح بالحكومة اليسارية لسلفادور الليندي؛ ووضعت ديكتاتورية عسكرية يمينية مدة 17 عاما خلفت آلافا من القتلى والمفقودين برئاسة الديكتاتور أوغستو بينوشيه. 


صورة 2 لأغوستو بونيشيه

كان عرض "المرأة الدجاجة" استاتيكيا تماما، حيث نرى حركة الجسد الملطخ بالتراب والطين للفتاة المحبوسة في عشة الفراخ معبرة عن المعاناة، وموازية لرقص امرأتين رقصة فلكولورية تشيلية تدعى "الكويكا" التي أصبحت في عصر الديكتاتورية رقصة النساء الوحيدات اللاتي اختفى أزواجهن أو أبناءهن وأحباءهن  قسريا دون أن يعرفن شيئا عنهم.


صورة 3 hen woman

قدم العرض لأول مرة عام 1996، وأعيد العمل عليه في 2016 ضمن برنامج "تراث الرقصات" الذي أقامته "دائرة الرقص بمجلس الثقافة والفنون" بتشيلي.  
ويهجو العرض "العهد البائد الديكتاتوري" – الذي انتهى بالطبع - وقد قدمته "فيكي لارين" الممثلة والمخرجة محيية سفير تشيلي في مصر والذي كان متواجدا بالمسرح، قائلة أنه ممثل للعصر الديمقراطي الذي يعيشون فيه الآن.
وسواء بالنظر إلى سنة تقديمه لأول مرة، أو في إعادة تقديمه هذا العام، فبماذا قد يذكرنا هذا بغير أفلام "الكرنكة" المصرية؟   تلك التي بدأها فيلم "الكرنك" لـ علي بدرخان – إنتاج 1975  وكان بداية لسلسة أفلام في عهد السادات تهجو القمع والدولة البوليسية في عهد عبد الناصر مدعية شجاعة زائفة وهي تواجه نظاما انتهت دولته بالفعل.

ثم ماذا يفعل عرض من إنتاج 1996 في مهرجان للمسرح التجريبي والمعاصر؟


"عشة الدجاج" بنظرة مصرية:

تشيلي اليوم واحدة من الدول الأكثر استقرارا وازدهارا في أميركا الجنوبية. وتعد من أفضل دول أمريكا اللاتينية في التصنيف العالمي للتنمية البشرية والقدرة التنافسية ونصيب الفرد من الدخل، وحالة السلم، والحرية الاقتصادية، وانخفاض الفساد.كما أنها تحتل مرتبة عالية إقليميا في التطور الديمقراطي.
ولو قلنا أنه بالرغم من تجاوز الواقع التشيلي الحالي لما قد يثيره العرض بكثير، فإن العرض ربما يكون معاصرا للأحداث في مصر بشكل ما، مع استخدام الدولة المصرية للديكتاتورية والعنف من حين لآخر؛ لكن مع ذلك، لم ينجح العرض في التماس الحقيقي مع القضية، ولا حتى مع قصة الفتاة المحبوسة التي كان لها أن تولد دراما عظيمة إن تم العمل عليها، فقط اكتفى بذلك المجاز المباشر بين الحكم الديكتاتوري والفتاة المحبوسة في عشة دجاج مغلفا بتهويمات الرقص التعبيري، دون أي تطوير أو الخطو لمدى أبعد سواء فنيا أو فكريا.
عرض "المرأة الدجاجة" كاملا
  "القبو ":
على الجانب الآخر، كان عرض "القبو" Bunker العام الماضي لفرقة كيوربوليمايت عرضا مميزا يعتمد على مسرح الجسد physical theater (وهو المسرح الذي يعمل على حكي القصة من خلال حركة الممثلين، وإيصال المشاعر من خلال الجسد. شعرنا بالفضول وبُهرنا بالأداء الرائع للممثلين الشباب ذوي الأعمار المتقاربة وقد تحولوا أمامنا إلى أب وأم، وأبناء طائعين... هاربين من موبقات وشرور المجتمع عازلين أنفسهم داخل قبو ليعيشوا حياتهم بكل نظام وترتيب وأخلاق عالية، حيث يحرص كل منهم على الالتزام بدوره المحدد داخل الأسرة وبغسيل أسنانه وتناول الطعام بأوقات محددة والنوم في أوقات محددة.

صورة 4 بانكر

وخطوة وراء أخرى نرى هذه المثالية وهي تتفسخ ونرى الشرور والموبقات وهي تخرج من دواخلهم يحاولون السيطرة عليها بالإدعاء حينا والقمع حينا وينزلقون إلى التوتر والكآبة حينا... حتى تقتل الأم في النهاية أحد أبنائها حفاظا على تماسك العالم الزائف الذي كونوه في القبو، وتتحول الفتاة تدريجيا إلى نسخة عن الأم متبنية دورها.
كان عرضا صادقا قادرا على كشف زيف المثاليات والعالم الكامل، والكبت الذي يؤدي إلى ما هو أخطر من الإشباع الصحي للرغبات.
وكان ولازال فريق عمل عرض Bunker شبابا معايشا لنبض اللحظة، منغمسا في الجدل المجتمعي بفنية عالية، مصطدما بالقيم القديمة مجادلا معها، صادما مثالياتنا القديمة الساذجة، هادما رونق "المدينة الفاضلة" متفاعلا بعمق وهدوء وحرفية فنية عالية مع موضوعه مستثيرا مشاعرنا وأفكارنا، دون صخب، أو مباشرة  وخطابية.
  وفي أحد المقالات النقدية عن "القبو" عندما قدم بتشيلي في 2014، ذكر الناقد: "يدعونا العرض للتفكير في علاقتنا بالآخرين والمجتمع الذي نبنيه. يتدرج العرض من إظهار أسرة تبدو عادية: أب وأم وأبناءهم الثلاثة يقررون مغادرة العالم وكل اتصال مع المجتمع، إلى أن يقرر أحد الأبناء قرارا يسبب الفوضى في النظام البيطرايركي لهذه الأسرة، ويشعر الأبوان بذلك ويبدآن في ممارسة سلطاتهم القمعية. "

وتذكر ناقدة في موقع "نقاد المسرح" التشيلي، أن العرض "شجاع وقوي ويتعرض للحقائق المؤلمة" وأنه ربما يكون مستوحى من الحادثة التي حدثت في مارس 2012 من القتل الوحشي للشاب المثلي "دانيال زاموديو"، كما أنها إدانة للكبار الذين يطلبون من أبنائهم التصرف كما لو كانوا يعرفون دون أي سماح بالفشل، ولميراث الخوف التاريخي والوراثي. "
(وأجدني أصطدم معهم بالمرآة ثانية: لأرى "قبو" فكرة الخلافة الإسلامية والمجتمع الإسلامي المثالي الذي مازال ينادي به البعض، قبو"الديكتاتور المستنير والحاكم العادل" المنفرد بالسلطة، قبو" الأبوية الحكيمة" المتحكمة، بل قبو" الديمقراطية" في مجتمع جاهل لا يمارسها أصلا في حياته اليومية، فتتحول إلى حكم مستبد للأغلبية)

                                                    
عرض"القبو" كاملا





 
لم تكن الميزة الأساسية لعرض "القبو" (إنتاج 2013 ) فقط في القصة المختلفة المنسوجة بعناية محتفظة بولائها للقيمة الأهم في أي عمل درامي: "التحول" كاشفة عن النفس البشرية والمجتمع والعلاقات المختلفة. لكن أيضا في المعايشة الحقيقية التي قدمها الممثلون لتفاصيل الأدوار التي يؤدونها جاعلين أجسادهم تتحدث: نظراتهم – علاقة كل جسد بنفسه وبالجسد الآخر – الحركة التي تبني مشاهدا ذات معنى مقدمة عددا من العلاقات والمشاعر والقرارات.
استطاعت مخرجة العرض "باولا كالديرون" تدريب فريق العمل بمهارة وبناء مواقف حقيقية تنطلق من الحياة اليومية معطية طاقة وشعورا ومعنى في نطاق محدد، دون التركيز على "الحركة" بشكل جمالي مجرد فقط، بل كان المعنى الذي يعظم حضور الجمال ويعطيه وجودا قويا.




                                                     
نبض اللحظة في تشيلي
تلك المعايشة لم تكن عملا جادا مخلصا ناحتا صخرة الجمال فحسب، ولكن ملامسة للحظة يتبدل ويتصارع فيها الواقع والمجتمع التشيلي ويعيد مساءلة وتعريف قيمه ومسلماته عن ما هو خير ومثالي، بعد ما مر به من تحولات سياسية وفكرية، محاولين نزع الأقنعة عن القيم الزائفة والأفكار شديدة المثالية والسذاجة .
فتشيلي كانت تعتبر معقل القيم الاجتماعية المحافظة. ذكر  أحد الصحفيين عام 1996،  أن التشيليين يحيون حياة مزدوجة، إحداهما ما يظهر على السطح، والأخرى ما وراء الواجهة. وأن الإعلام يتبنى توجها محافظا خاصا باليمين والكنيسة الكاثوليكية والعقلية العسكرية، محذرا من تهديدات التغير الاجتماعي، وأن هذه مخططات خارجية تستهدف الوطن، بتأييد من التشيليين التقليديين الذين يرغبون في منع تحول البلاد إلى مجتمع علماني مادي يؤكد على الحقوق الفرية.



صورة 5 – القبو

بينما في 2006 ، ذكر أحد الصحفيين التشيليين  أن الحرب الثقافية قد بدأت بين التثوير الاجتماعي الذي تقوده رئيسة البلاد  "ميشال بيشيليه" من آخذ إجراءات تشريعية منفتحة لعدد من القضايا الاجتماعية مثل حمل المراهقات، الموت الرحيم، القوانين المدنية التي تنظم الزواج والطلاق، حق الإجهاض ، وبين الآراء المحافظة التقليدية لليمين المدافع عن تشيلي كبلد تقليدي كاثوليكي محافظ رافضين توجه الدولة للرقابة على الصحة والتعليم، وترك الأخلاقيات الشخصية لمسؤولية الأفراد. بينما عد بعض الليبراليين أن وصول امرأة للحكم في حد ذاته دليل على أن القيم القديمة المحافظة بدأت تتهاوى لدى الشعب التشيلي الذي أدرك أهمية حريته خاصة بعد الحكم الاستبدادي في عهد بينوشيه، وأن هذه الحرية تأتي مصاحبة للنمو الاقتصادي السريع الذي تتجه إليه البلاد. في حين تقف الكنيسة الكاثوليكية كمقاوم ومعارض قوي أمام التغيير .

وقال المنسق التنفيذي للتنمية البشرية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي  أن "تشيلي" تمر الآن إلى حيث  دول العالم الأول، والصحافة قد نذرت نفسها للتعليق الساخر على التقاليد المتحيزة وأخطاء الساسة والنخبة عكس ما كان يحدث قديما من تبرير أخطاء المؤسسات والنخب ومنحها الشرعية. وبدأت تتهاوى أسطورة أن النظام المحافظ هو ما يضمن الاستقرار والخير وأمن البلد.
وكما نرى، ف"تشيلي" يحدث داخلها الآن جدل اجتماعي قيمي ثقافي سياسي وتصدر مسودات قوانين تتعلق بالحريات الشخصية من أبسطها إلى أكثرها تحررا واصطداما بالقيم الراسخة، والذي تفاعل معه عرض "القبو" بحرفية عالية.
ياسمين إمام (شغف


*الصور تصوير: عادل صبري، وبإذن منه



*******************

* المقال منشور على موقع إضاءات : 

تشيلي ومصر: بين «القبو» و«قفص الدجاج»!


الجمعة، ديسمبر 22، 2017

الجمعة، مايو 05، 2017

المجموعة القصصية "ﻻ عزاء" _ ياسمين إمام (شغف


للتحميل
Pdf
https://drive.google.com/file/d/1haNJFSEsxq4yQReLAkx17RClly_Jg9Pg/view?usp=drivesdk


لينك المجموعة على جودريدز
https://www.goodreads.com/book/show/35064133


السبت، مارس 18، 2017

قلت لك.. 2

"وعدت تركتك.. لأنك زعلان بتضل وبتضل مِنَكْوَد"
هل هذه هي الحقيقة؟
عندما فكرت مليا وجدت أن العكس هو الصحيح!
أن نظرتك التَعِبة .. وطفلك الداخلي الحزين / الغاضب / المتوتر / المستاء.. وجرحك الداخلي الذي استفز أنثاي لتقفز إليك ليسوا هم من يطردونني بعيدا عن عالمك. لكن يحدث أن تظهر طفلتي الداخلية المنزعجة المستاءة أو الغاضبة والتي تحتاج من يمتص مشاعرها السلبية ويضمد جراحها الغائرة. وحذر ماذا يحدث؟
فجأة يرحل طفلك أو يُلقى في بئر عميق.. وتأتيني بنظرة عملية حيادية وصوت بارد لامبالي .. متبرءا  من رؤية طفلتي المذعورة.. تتجاهلها .. أو تمل منها سريعا ... تتثاءب .. ترحل بعيدا عني في نظرتك للساعة ..
تتجاهلني وتتجاهلك. أردك إلى بئر ذاتك الذي ترقد في أعماقه خائفا حزينا.. لكنك تتبرأ أيضا من ذاتك الصغيرة الوحيدة الطفلة.. تتجاهلها وتمضي بعيدا عنها .. ميمما وجهك شطر صورتك المحتواة في إطار ذهبي .. تظن أن الإطار يُعرِفك أو يجعل صورتك أهم أو أبهى ..
تتبرأ من تعب نظرتك، من حزنك .. تمثل القوة وتمنع فوران غضبك ..تحبسه في قمقم وتلقي به في بحار عميقة .. تتحدث كثيرا .. تتحدى الصمت.. تثرثر وتثرثر وتثرثر بكلمات لا تعني شيئا سوى أن تصقل إطارك الذهبي ..
لا أجد ما جئتُ من أجله..
وتذعر طفلتي أكثر وأكثر .. تحاول إلقاءها في البئر هي أيضا.. لكنها تقاوم.. وأقاوم.. ونركض بعيدا ...
وأعود لأتركك لأنك لم تعد "زعلان" أو "منكود" ... أو ربما لأنك "زعلان" و"منكود" لكنك تتمسك بالإطار المذهب الذي ترسم داخله ابتسامتك الكاذبة لتبدو ما لستَ عليه. وأنا لا أحب الكاذبين. 

قلت لك.. 1


"حبيتك.. لأنك زعلان بتضل.. وبتضل مِنَكْوَد".
أعترف أني قلت لك داخلي. أعترف أن الشجن كـ جني تحت البحار الهادئة يتوجه إليه مركبي كما تتوجه السفن لجبل المغناطيس ، فيأخذها بعيدا إلى الأعماق.
"صار ونص" أن الشجن دوما يصطادني في البدايات.. تلك النظرة التَعِبة .. ذلك الطفل الداخلي الحزين أو الغاضب أو المتوتر أو المستاء.. الصمت..اللامبالاة.. الشعور بأن هناك جرحا غائرا في الأعماق يحتاج تضميدا .. ذلك الشعور المستفز الذي يحرك رغبتي لضم رأسك إلى صدري والتربيت عليه.

قد يحدث أن أقترب ..أن أخطو إليك أكثر وأكثر.. لكن ثق أني سأبتعد في لحظة تالية. في لحظة تالية ستظهر طفلتي الداخلية المذعورة التي تحتاج طمأنةً وتربيتا وأمناً. ستظهر طفلتي الداخلية المنزعجة المستاءة أو الغاضبة والتي ستحتاج من يمتص مشاعرها السلبية ويضمد جراحها الغائرة.
وعندما أجدك لست سوى متعب أو حزين أو غاضب أو صامت.. عندما أراك في لحظة جديدة "زعلان بتضل.. وبتضل مِنَكْوَد" .. سأعود لتركك بعد أن يشتعل غضبي واستيائي أكثر فأكثر.
ليست سوى دائرة ملعونة تبتلعني في جوفها ، ثم تلفظني بجراحٍ جديدة ومخاوف جديدة واشتياق غبي لتفاصيل منك ستثير حنينا ما إليك مهما باعدتنا الظروف والأيام.. لربما تذكرتك غاضبة على أول طريق البعاد، ثم ستحل الابتسامة تدريجيا مكان الغضب..
ثم يغوي جني البحار مركبي من جديد بنظرة تَعِبة ..أو وجه متجهم صامت.. أو طفل داخلي حزين أو متوتر أو غاضب أو مستاء ..وأذكر نفسي أني كنت هنا من قبل مرات.. وأن الدائرة الملعونة ستكرر نفسها من جديد ..
لكن تُرى: هل يمكن ألا أتبع الجني وقد صرتُ مغوية وغاوية؟


* "قلتيلي حبيتك" .. أغنية لـ "زياد الرحباني"
* ملحوظة: لست مغرمة بـ "زياد الرحباني" وإن كنت أقدره حق قدره كظاهرة فنية مهمة.

السبت، مارس 11، 2017

أغنية تدور بها الريح

وأنا امرأة مقدسة..
عليها أن تقبل الموت كجزء من الحياة.. ومن القدرة المقدسة للحياة -المعلمة الأولى- على التحويل.
علي أن أكون "امرأة العظام" وأقبل أن يموت الأشخاص..  الأشياء.. العلاقات.. المشاعر..  الذكريات..  جامعة عظامهم...  أو خيوطهم الحريرية..  أو تلقيحاتهم لنحلة الحياة المباركة.
*
*
"وبكره جاي أخضر
وانتي بتتبسمي"

بالرغم من إله الملل وآلهة اليأس والظلام..
بالرغم من مغتصبي الأرض الخضراء زارعوها بالإسمنت والحديد..
بالرغم من غباء الجمل والكلمات التي تتكرر آلاف المرات وتتكاثر لتنجب السأم..
بالرغم من لامبالاة وقسوة من قد يخضر الود أو الحياة بداخلنا اتجاههم فيرموننا بالازدراء..
بالرغم من دموعنا - كنوزنا- التي نحرص على تخبئتها بعيدا عن أعين الآخرين ونختم فوقها بابتسامة مراوغة..  منتظرين من يستطيع القرب والمعرفة...
بالرغم من قمامة الشوارع وهوائها الملوث وأناسها الرماديين الحائلة ألوانهم..
*
*
"فوق الحيطان ارسمي
الحلم متفسر"
بالرغم من صمم الأبواب التي ندق عليها وننادي من وراءها متمنين أن تمنح ولو بصيص من نور من تحت أعقابها بأن هناك أحدا بالداخل ربما يسمع صوت الطرقات..
بالرغم من الأصدقاء المفقودين الذين فقدوا ذاكرة ذواتهم..  وفقدوا ذاكرة أن هذا قد حدث..
*
*
"غني على الطرقات
للجاي واللي فات"

بالرغم من أوقات جبننا وخوفنا..  احباطنا وعجزنا..
بالرغم من لحظات ضعفنا..  غبائنا.. وحدتنا..  أو احتياجنا..
بالرغم من مرايا عيون الآخرين التي لا نرى أنفسنا التي نحب بها..  بل نتبدى داخلها صورنا المهزوزة أو المكسورة..  فنتغافل عن ما شاهدنا بالمرايا الفاضحة...
بالرغم من كل من يتداولون حياة مستعملة بلايين المرات في سرنجات ملوثة..
فمازال هناك من يزرعون الأرض شجرا وزرعا وورودا،
مازال هناك من يبتكرون الحياة واللغة،
مازال هناك من تنطلق ذواتنا المضيئة في حضورهم،
مازال هناك إله في تلك السماوات البعيدة يدنو ليمنحني كل يوم ابتسامة أو تربيتة أو همسا مطمئنا،
مازال هناك من نقوي ذاكرة بعضنا بعضا معهم..  عمن نكون..  وماذا نريد..  وماذا نفعل في هذه الحياة..
ومازالت الأنثى المقدسة داخلي شامخة الرأس..  تحتضن الموت والحياة..عارفة أن عليها أن تدع أشياء تموت..  وأخرى تولد وتحيا..  وأن تنصت لقانون التحول الذي تدور به الريح. 

محاولة للفهم.. الغواية المقدسة

أعرف متعة "الساحر" وهو يرى الانبهار في العيون عندما يتحول المنديل أرنبا أو طائرا..
بل أعرف متعة من يترك الحيل والآلاعيب ويجد في نفسه القدرة الحقيقية على تحويل المنديل أرنبا...  أو تحريك الأشياء عن بعد..  أو الطيران.. فهو نفسه من يشعر بالانبهار والسعادة.
كذلك كنت أشعر منذ بضع سنين مضت وأنا أجلس جوار تلك الطفلة التي تجادلت معها أمها موبخة تاركة إياها غاضبة وناقمة ومحملة بالغيوم..
صرت أتحدث إليها وأشير إلى ما نراه في العرض المسرحي أمامنا..  لتنفرج ملامحها تدريجيا كباب يفتح بهدوء كاشفا عن نور سماوي...  لتتحول تقطيبتها إلى ابتسامة وغضب عينيها إلى لمعان..  كان مدهشا وساحرا لي...  فقط: يعيد إلي شعوري بذاتي كامرآج قادرة على الخلق والتحويل..  يعيد
 إلي ذاتي الموغلة في أعماق ما قبل التاريخ كامرآة مقدسة تستطيع بيسر ما يعجز عنه الرجال.
"التحويل" هو الغواية المقدسة للكثيرات...  هو شيء كنا نستطيعه بتلقائية التنفس أيام كنا أحرارا...  ونحاوله تحت ركام التشوهات بافتعال وقسر فيفشل كل شيء.  

الجمعة، يناير 06، 2017

د. نهاد صليحة.. بداية جديدة

"المسرح بين الفن والحياة" 

ربما كان هذا أول ماوقع في يدي وأنار أمامي الاسم بحروف مشعة بالشغف والصدق والفهم "نهاد صليحة" وأنا بعد في جامعتي الاقليمية ربما.. وأعتقد أني تمنيت لحظتها أن أقترب من هؤلاء البشر المدهشين الذي يكون حضورهم في ذاته حياة...

تقاذفتني السنوات ومجالات عمل مختلفة لأجد نفسي في عالم المسرح؛ وفي القاهرة؛ وعلى مقربة ممن أشعت حروف اسمها في ذهني منذ مايقرب من عشر سنوات او اكثر..  بل أتحدث إليها وتناديني باسمي ويحتضن أحدنا الآخر إذا ما تصادفنا بهذا العرض أو ذاك..  أو بتلك الفاعلية أو هذه!!!

بالطبع دوما ما كنت أشعر بالارتباك وبعدم قدرتي..  بل عدم رغبتي في الاقتراب أكثر...  ولم يكن يخطر بذهني أصلا كيف يمكنني الاقتراب؟
مصادر النور مقدسة لدي درجة الحفاظ على المسافة والاكتفاء بالاشعاع من بعد.. أنا جبانة..  أعترف.

****×***

لا أعرف لم أبكي الآن موتها؟!

عندما ماتت أمي..  كنت أبكي حياتها...  كنت أبكي أنها لم تحيا حياة جيدة..  بل تعايش مع المرض واستسلام لتجارب الأطباء وهرائهم من ناحية؛ وحياة لم تختر شيئا فيها ولم تستمتع بها كما ينبغي من ناحية أخرى.  كنت أشعر أنها ماتت دون أن تستفيد شيئا.. سارت فقط في كل الطرق التي كان يدفعها من حولها إليها حتى فيما يتعلق بجسدها وأوجاعه...  لم تستطع آخذ قرار في شيء.
كنت أبكي لأن روح أمي أتت الدنيا وتركتها دون أن تنمو.

*******

د. نهاد صليحة لم تحيا فقط بملء الحياة.. حتى ولم أقترب منها شخصيا بذلك القدر أستطيع القول بأنها عاشت ملء الحياة وملء الأسماع والأبصار والقلوب والعقول.
عاشت ونثرت الحياة في كلماتها بالكتب وفي صدور كل من عرفها ولو لخمس دقائق فقط..
يكفي أن تراها من بعيد لتشعر بحضورها المميز المتألق..
71 سنة!!!
تلك السيدة كانت أكثر شبابا منا بكثير...  بحماسها..  اهتمامها...  شغفها...  جديتها...  وصدقها.. 



******
"رحلت.......
"وداعا......
"فقدنا اليوم.....

لا أجد لهذه الكلمات معنى.. فلم ترحل بل بقيت. لم نفقدها..  بل كسبناها دوما...  كسبنا وجودها الذي كان عندما كانت جسدا وروحا...  ومازلنا نكسب ذاك الوجود المستمر الذي تركته داخلنا.

*******

لا داعي للبكاء..  مثل تلك الروح جاءت الحياة وامتصت رحيقها حتى  آخر قطرة..  لم تفقد منه شيئا..  تلك الروح ناضلت بطريقتها وتركت أجزاءا منها موزعة في نفوس المئات أو ربما الالاف.. واثقة أن تلك الروح نضجت منذ تطلعها الأول في وجه الحياة إلى  أن لوحت لها وداعا.
أؤمن أنا في أن الروح عندما تحقق الـ "scores" المطلوبة منها في حياتها التي تركتها فإنها تنتقل إلى حياة أخرى أكثر رقيا من تلك التي عاشتها...
لا أعرف هل هناك مرحلة أكثر رقيا من تلك التي وصلتها نهاد صليحة؟
لكن كل ما أعرفه هو أنه ربما في هذه اللحظة التي نبكي فيها موتها وفقدها...  فإن روحها تولد من جديد في مكان ما قريب. 



السبت، ديسمبر 31، 2016

تماس

الحزن عشيقي السري.. يكره المتلصصين ويقدس الليل .. يتلفت حوله جيدا ويتأكد من غفو الآخرين داخل عوالمهم..  يتأكد أن لا أحد يتبعه أو يقفو أثره...  يتسلل إليّ على أطراف أصابعه مشيرا إلي ألا أصدر صوتا فأطيع...  يغسلني بأنامله ... يهدهد دموعي فتأمن له وتنساب.
متلصصٌ واحد قد يجعله يقفز هاربا ويتركني وحدي أحاول ادعاءا لصلابة...  للامبالاة..  لسعادة.. لكني دوما أظل أنتظر خلوتنا المقدسة كي أنساب ماءا شفيفا.

الأربعاء، نوفمبر 30، 2016

FB


"واحد اتنين تلاتة كارونيه كارونيته .. استخبى انتا وانتا فار وأنا قطة ... حلوة اللعبة دي انتا فار وأنا قطة؟ " 

تتلبسني روح "الكتكوت" المغامر مرة أخرى الذي قرر أن يترك العشة ويمضي بعيدا ... قرر أن يتخلى عن "لعبة كارونيه كارونته" التي لعبوها آلاف المرات هو واخوته... 

وتكبر الفكرة داخلي منذ أمس: حذف تاريخي الفيسبوكيي نهائيا ... 

ما الذي يمكن أن أفتقده عندما أفعل ذلك؟ 

1- سأفتقد إحساس كاذب بالتواصل .. تواصل غير موجود حقيقة مع أي شخص، حتى مع من قد أتبادل معهم الرسائل والتعليقات والإعجابات ... 
تحضرني جملة "أمين " (محمد ممدوح) في مسلسل "جراند أوتيل" : "ولما أعوز أحضن أبويا .. هحضن دي؟ "مشيرا للورقة بيده" ...
وأنا لما أحب أحضن صديقتي مثلا هحضن صورتها ع الفيس؟ لما أحب أبتسم ف وش حد أخلي الصور الكارتونية تعبر بالنيابة عني؟ لما أحب أعرف "س" أو "ص" بيتكلم جد ولا بيهزر .. بيكدب ولا بيقول الحق ، أبص في عين صورته ع الفيس ولا ف عين كلماته وحركاتها على الصفحة؟ لما أبقى متضايقة شوية لازم أكتب للي أعرفه واللي معرفوش "أشعر بالحزن" عشان ألاقي عبارات المواساة ؟ 
"التواصل الفيس بوكي" من أكبر الكذبات اللي خدعونا بيها فانخدعنا ... للأسف إحنا مش بنتواصل .. احنا فعلا بنتباعد ... بتبعدنا الكلمات والصور عن الواقع ... 
فيه محل اسمه "كازيون" ... وكاتب عليه إن أسعاره أرخص أسعار وتخفيضات وما أعرفش ايه .. ماما كانت عمالة تزن على أخويا تجيب حاجات م المحل ده، بس ساعتها أخويا قالها إن المحل ده أسعاره فعليا هي الأغلى ... 
اتفاجئت من الحقيقة : إحنا بنصدق حاجات كتير مش حقيقية لمجرد إنهم "كاتبين" عليها ما يناقض حقيقتها أو قايلين ما يناقض الحقيقة ، واحنا صدقنا الكلمات مش الحقيقة المفروض تكون الكلمات معبرة عنها ! 

للأسف الكلمات كانت مجرد رموز معبرة عن حقائق في بداياتها ... واحدة واحدة بقت الرموز والظلال بتاخد مكان الحقايق وتحل محلها كليا مش بس بتعبر بشكل رمزي عنها ... وعشان كده الحكومات بتستغل سلاح "الكلمات" لصالحها حتى لو ناقضت الحقايق وخسفت بيها الأرض ... مادام الكلمات جيدة فلا أهمية لا للأفعال ولا للحقائق ...
برضو كاتبين وقايلين على موقع "الفيسبوك" إنه موقع تواصل ... في حين إنه فعليا موقع "تباعد" .. 
فيه فرق شاسع بين إن الواحد يعرف معلومة عن حد، وإن الواحد يقيم حوار مع الحد ده ويشوفه ويكلمه ويسمع صوته ويقضي وقت معاه ... 

من مدة كده قابلني مقال فاجئني بإن نوعية "الحب" و"الاهتمام" الأساسية لكل حد فينا مختلفة.. سواء تعبيرا أو استقبالا ... هوه كان بيتكلم على ما أتذكر بشكل أساسي عن الأطفال وطريقة تواصل الأبوين معاهم على حسب طريقة الحب اللي تفهمها كل نوعية ... ففيه حد يبقى طريقة تعبيره عن الحب وأهم حاجة برضو بتنقله إن اللي قدامه مهتم بيه وبيحبه هيه إنه يجيبله هديه ... فيه حد تاني إن اللي قدامه يحضنه أو يطبطب عليه أو يلسمه ... فيه حد تالت إن اللي قدامه يعمله حاجة ... والنوعية دي مثلا لما تحب تعبر عن اهتمامها ممكن تقوم تكنس الشقة لمامتها أو تغسل المواعين أو تعمل حاجة ما ... وفيه نوع رابع الحب والاهتمام بالنسبة له هو مجرد تقضية وقت مع بعض ... يعني مجرد انكم قاعدين مع بعض في نفس الحيز حتى لو كل حد مشغول بحاجة ... 

نوعيتنا أطفالا أعتقد إنها ما بتتغيرش كبارا ... وبالرجوع للطرق المختلفة اللي ممكن الأبوين يتواصلوا بيها مع أطفالهم ويحسسوهم بالاهتمام ... (التواصل أساسه اهتمام بالتواصل واهتمام بالشخص) ... تنفضح أكذوبة الفيسبوك إنه وسيلة تواصل ! 
هوه في الواقع وسيلة "توصيل" مش "تواصل" .. 

************************

2- سأفتقد إحساس كاذب بالأهمية والشهرة والتحقق 

فعلى الفيس بوك أصغر وأتفه حاجة بتعملها بتحتفل بيها باعتبارها إنجاز رائع وكله يدخل يبارك ويهني ويعتبرك فنان وعظيم وأنجزت ... 
في حين إن كل اللي عملته هوه إنك وصلت لأول السلم، ما طلعتش حتى أول درجة من درجاته ... 


***********************

3- سأفتقد إحساسي بالإحراج وعدم الراحة 

لما حد يشوفني لأول مرة ويقولي "إحنا أصدقاء ع الفيس بوك" وأنا ما أعرفوش أصلا ... 
لإن ممن اسمهم "أصدقاء" على الفيس ناس ما أعرفهمش مطلقا، بس اللي حصل إني ممكن أكون قريت حاجة حلوة بالصدفة هنا أو هناك أو فيه مجال مشترك وحاجة أنا مهتمة بيها فضيفت هذا الشخص أو ذاك لإني احتمال أعرف عن طريقه تاني حاجة حلوة أو حاجة أنا مهتمة بيها ... أو بأقبل إضافة الأشخاص اللي شغالين في نفس المجال وفيه بيني وبينهم ناس مشتركين ... 
بس بالتدريج اهتمامي نفسه بالحاجات بيقل وبيبقى سطحي سطحية الفيس بوك... وبأنسى أنا ضيفت الناس دي ليه أصلا ... ده غير إن الطوفان المكون من 4 آلاف وشوية بني آدم صعب انك تفتكر منه أكتر من 1/100 .. حتى أصحابك اللي تعرفهم واقعيا بيتنسوا في خضم الناس دي كلها ...
طب حل أكاونت ماعليهوش حد غير أصحابي وبس ... هنرجع لنفس معضلة "حقيقة التواصل" ... 
وأصلا في لحظة هتلاقي حاجة من اتنين: إما إنك مركز ومتابع مع حد ما، هوه مش مركز معاك بنفس الطريقة ولا بنفس القدر، أو إن فيه حد مركز معاك بزيادة وإنتا مش قادر تهتم نفس الاهتمام ... 
وساعات بيبقى اللي فارق وقتك ووقته وفرق التوقيت في الشغل .. في لحظات البراح والأجازة والفضى وأوقات الشغل ... فيه ملايين التفاصيل حقيقي بتفصلنا عن بعض وما بنقدرش نلقطها صح من ورا الشاشات ... 

************************
4- سأفتقد إحساس "الرخص" الذي يظلل التفاعل مع القريبين 

أنا عارفة إني هقع فعليا من ناس كتير ... لا هيتصلوا ولا هنتقابل إلا صدفة يمكن ... 
ناس كان سهل جدا بالنسبة لهم يبعتولي رسالة أو إيموشن أو صورة تهنئة بعيد ميلاد أو بايفنت على الفيس ... 
لكنهم مش حريصين على وجودي في حياتهم - ولا مهتمين أصلا - بحال من الأحوال ... 

************************
5- سأفتقد الإحساس بالسخافة مع كل التهنئات التي تأتيني في المناسبات 
واللي بتيجني بنفس الصيغ والعبارات من كل اللي أعرفهم واللي ما أعرفهمش .. كتييير قوي .. وأنا أصلا مابحبش جمل المناسبات . 

الأحد، نوفمبر 27، 2016

Inception


"what's the most resilient parasite? An idea: resilient, highly contagious. Once an idea is taking hold of the brain; it's almost impossible to eradicate. An idea is fully formed, fully understood that sticks right there somewhere."

 "No idea is simple when you need to plant it in somebody else's mind." It's not only the depth.

"you  need the simplest version of the idea in order to grow naturally in the subject's mind."

"what you need to do is to start from the absolute basic which is his relationship with his father."

"the seed that we plant in that's man mind will grow to an idea. This idea will define him and may come to change everything about him."

 _ الطريقة الوحيدة لتثبيت الفكرة هي أن تبدو وليدة عقله هو.

"The subconscious is motivated by emotion, right? Not reason. We need to find a way to translate this into an emotional concept."

"العواطف الإيجابية تغلب العواطف السلبية.. نحن جميعا نطوق إلى التصالح؛ إلى تطهير النفس من الضغائن.  يجب أن يكون له رد فعل عاطفي إيجابي على كل هذا."

"The first thing you should know about inception : an idea is like a virus; resilient and highly contagious.  the smallest seed of an idea can grow.  It can grow to fine Or destroy you.  Simple little thought that can change everything. The idea is growing in the mind like a cancer. "

الجمعة، نوفمبر 25، 2016

يوميات "الحرق العلني"


منذ أن قرأت هذا النص  في جريدة مسرحنا (يوليو 2011) وأنا وقعت في غرامه فورا دون أن أعرف لماذا.

"نص مشدود وشخصيات درامية مرسومة بعناية" كان هذا سببا كافيا ومبررا عقليا يبدو مناسبا لي ..دون شعور بأنه يتماس معي أو مع أفكار محددة لي ودون أن أستطيع أن أقول بوضوح أن به "مشاعر" كذا أو "أفكار" كذا أعجبت بها .. إعجاب شديد، بل انبهار خفي دون سبب واضح .. وحيرة كحيرة اثنين يلتقيان للمرة الأولى ومع ذلك يشعران بالأريحية التي نشعر بها مع أصدقاء قدامى تربينا معهم.

حاولت عملا في البداية على هذا النص في 2012 من باب "تماسكه المذهل" وأنه قد "يزغلل عين" أي فرصة يمكنني أن أقدم بها وبخاصة في المهرجانات التابعة للمراكز الثقافية الأجنبية، كونه لكاتب أمريكي مشهور وله صيته وثقله، وكون هذا النص لم يقدم من قبل في مصر – حسبما أعرف – لكني كنت أشعر أن هناك شيئا مفقودا وهناك شيئا غير حقيقي في عملي عليه.. خاصة بعد عدم قبوله في المهرجان الذي كنت أعمل عليه من أجله... وإن كنا بررنا المسألة وقتها بأن إدارة المهرجان لديها تحيزاتها الخاصة اتجاه الممثلات المحجبات – وكانت الممثلة الرئيسية معي محجبة - ..

ولأني أؤمن أن "المسرح" يجب أن يكون له علاقة بجمهوره ومتماسا معهم ومع قضاياهم ومع بيئتهم، حاولت دمجا لهذا النص (الأجنبي الفصحى الذي يدور في مكان وزمان يختلفان جدا عن مكاننا وزماننا) مع نص آخر خفيف مصري بالعامية لكاتب شاب، وأضفت جملا من عندياتي كذلك، ليكون النص المصري هو الهيكل الأساسي، ويكون نص وليامز متخللا له ومعبرا عن حالات بعينها للبطل – تختلف جدا عن شخصية البطل الأساسي بـ "الحرق العلني" – وليعبر هذا المزيج عن أفكار مباشرة حملت وقتها أصداء الأجواء السائدة للشباب الراغب في الرحيل والهجرة وصراع بين مقولات إيلوا بترك المكان ، ونظرة أمه المتفائلة بضرورة "الإصلاح في إطار الحدود العملية ".

لكن كان هناك أيضا أشياء ناقصة أو مفتعلة أو ملوي ذراعها ..ورُفض هذا المزيج من مكانين مختلفين في 2013 ، قُبلت في أحدهما (مهرجان والبقية تأتي) بنص آخر من تأليفي (مرايه) .. وقال لي المشرف عن مشاريع الإخراج في المقابلة الأولى لنا عن أسباب اختيار اللجنة لمشروعي هذا، وعلق بشكل عابر أن المشروع الآخر الذي كنت متقدمة به لا يسفر عن شيء جيد، والنصين لا علاقة لهما ببعض وتبدو الكتابة متنافرة عن بعضها وغير تلقائية ... أحبطني هذا بالطبع على الرغم من سعادتي وقتها لقبول مشروعي الآخر ودهشتي لذلك، لأنه كان بالنسبة لي "رقم 2" بينما كان رقم 1 هو مزيج "الحرق العلني" .

"الحرق العلني" .. تدور الأيام والشهور، لأجد النص بين يدي أو أمامي وأنا أقلب في أشيائي بين الحين والآخر، وفي كل مرة أعاود قراءته بذات الحيرة وذات الاستمتاع وذات الانبهار الخفي وذات الشعور بالأسف اتجاه كونه نصا أجنبيا وبالفصحى ويدور في زمن ومكان آخر ويحمل أبعادا أخرى قد لا يتجاوب معها المشاهد المصري.

"والآن أعرف كيف يفضي كل طريق إلى طريق " كما يقول "روبرت فروست" ...
فقد كانت جلستي الصدفوية تلك أحد أيام 2014 مع السينوغراف والمخرج الشاب "عمر المعتز بالله" والتي قال لي فيها رأيه الصريح بعرض "مرايه" حاسمة بالنسبة لكثير من الأشياء ... خاصة تلك الجملة التي علقت بذهني لحسن الحظ، من أن المخرج الجيد هو من يقرأ مابين السطور المؤلفة ويظهر بصريا ماليس موجودا بسطور النص... وسألني: هل هناك شيئا في عرض "مرايه" الذي قمت بإخراجه مختلفا عن نص "مرايه" الذي قمت بتأليفه؟ أم أن كل ما فعلت كان أن "نفذت" ما سبق وسطرته نصا؟

بدا حينها أن كل تصرفاتي السابقة تجاه النصوص – سواء نصيّ اللذين كتبتهما وأخرجتهما، أو محاولتي المتجددة الفاشلة اتجاه "الحرق العلني" -  بالتعديل في الكلام أو الحذف والإضافة مع كل إعادة تقديم للعرض في مناسبة مختلفة كانت محض عبث .. فأنا أتصرف في "النصوص" .. أتصرف كـ "كاتبة" وليس كـ "مخرجة" سلطتها ليست على الكلام المكتوب (حتى وإن كانت هي مؤلفته) لكن في الحلول التمثيلية / البصرية/ الصوتية/ = الإخراجية ليكتسي النص ثوبا مختلفا له بصمة "إخراجية" مختلفة.


كان بابا مذهلا لمراجعة الذات ذلك الذي فتحه "المعتز بالله" .. وإن كان محبطا قليلا ورغب بي عن تقديم أي عروض أخرى كمخرجة خلال منذ أغسطس 2014 وحتى ما قبل الآن بقليل 

(إلى يونيو 2016 .. وتعددت الأسباب من أني أريد تفرغا للكتابة وتحقيق ذاتي ككاتبة أولا – ولم أخلص اتجاه الكتابة طوال هذا الوقت حتى وإن شاركت في ورشة جماعية لكتابة عرض هنا أو هناك أو أخذت جائزة هنا أو سافرت هناك  -
أو أني لست جاهزة ومستعدة بعد، أو أن ظروفي لاتسمح بالعودة للإخراج خاصة وهو "وجع قلب" بدءا من دائرة البحث عن مكان للبروفات، وتجميع فريق العمل المناسب، ومواعيد البروفات التي يتم العراك على عدم الالتزام بها من معظم الناس كل مرة، والميزانية التي يحتاجها العرض للديكور والملابس وإن كان هناك تسجيل صوت.. إلخ.. ومسألة البحث عن مكان للعرض سواء كان مسرحا للعرض ولو ليلة واحدة أو مهرجانا هنا أو هناك يلم مجهودات الفرق الحرة والهواه والمستقلين / مازلت لا أدري فروقا واضحة في هذه المسميات بالمناسبة ! / ثم القلق اتجاه يوم العرض والدعاية وهل سيأتي جمهور أم لا؟ وعندما يأتي الجمهور هل سيعجب بالعرض ويتجاوب معه أم لا ؟ ثم السؤال الوجودي: هل نقدم شيئا ذي جدوى؟ هل ما نفعله مهم وله معنى؟ أم نفرغ طاقة ونقضي وقتا لطيفا ونستمتع باللعبة المسرحية فحسب؟)

"وجع قلب" حقيقي كان من الأسهل تلاشيه والابتعاد عنه بحياة روتينية مملة مابين العمل والبيت أو حضور فاعلية ما هنا أو هناك.. أو "قبول" ما يسنح من فرص "عملية" فحسب، دون سعي حقيقي اتجاه شيء.

لا أعرف ما الذي جعلني أعود ثانية لـ "وجع القلب" المحبب بأخذ قرار بالعودة لممارسة الإخراج المسرحي – كهاوية طبعا - ... هل هو الشعور بالثقل الذي صار يسحب ظلاله على الحياة – حتى الحياة الإبداعية نفسها كتابةً – دون مسرح؟ هل مضي الوقت دون إنجاز شيء مما وعدت نفسي بإنجازه؟ هل ذلك الحدث الطاريء أيام كنت أدير مشروع القراءات المسرحية بالمسرح القومي – كموظفة وكجزء من عملي – واعتذر أحدهم عن يومه بشكل مفاجيء، فاضطررت للتصرف بتقديم قراءة مسرحية لنص "الحرق العلني"؟ هل تعليق إحدى الحاضرات بأنها "لم تستمتع بالنص، ولم تشعر به" حتى وإن كانت قراءة الممثل والممثلة جيدة كإذاعة البرنامج الثقافي؟ هل الجرعة المكثفة من العروض المسرحية غير الممتعة وغير المميزة مؤخرا استفزت داخلي ذاك التحدي القديم وتلك الروح الراغبة دوما في "استكمال الناقص وسد الثغرات وملء الفجوات وتقديم ماليس موجودا"؟ والتي تخفت وتستكين ولا تبالي عندما ترى "الدنيا تمام" و"الحاجات عظيمة" فتشعر أنها لا يهم أن تفعل شيئئا مادام هناك آخرون يفعلون؟

المهم أني قررت العودة .. وليس بتقديم عرض واحد، بل بتقديم ثلاثة عروض كانت نصوصهم الثلاث تطاردني كل الفترة الماضية، أحدهما منذ 2011 وهو "الحرق العلني" ، والآخران منذ 2013/ 2014 ...  وكنت أكتب ملاحظاتي اتجاههم وأفكاري اتجاه ما يمكن عمله عندما يسمح الزمان "على شط النيل" أقصد "على خشبة المسرح"

وأنظر الآن بدهشة لما تراكم لدي اتجاه "الحرق العلني"، وما تطور إليه الأمر وما صرت قادرة على قراءته واستخراجه من بين السطور دون أن أمس ما فوقها.