بداية انطلاق القطار كانت مفزعة حقا --- لم أعتد على مثل تلك السرعة المفاجئة ، و هذا الصوت --- شعرتُ ببعضٍ من فزع ، و تخيلتُ لوهلة أن القطار ربما يصنع حادثة ً ما تتصدر الصحف باليوم التالي ---- ركز ذهني في ما يمكن أن أفعله ، أو ، أكتبه تلك اللحظة --- وجدت أن ال " لا شيء " إجابة مناسبة
لكنها المرة الأولى التي أشعر فيها أن الموت سيكون قاسيا على روحي --- رحتُ أودع ببصري ذاك الجمال الممنوح للخضرة و ارتفاعات النخيل و الكيانات البشرية المتناثرة هنا و هناك التي ستحيا - مازالت - هذه الحياة الجميلة
" أنا اتفزعت أول ما القطر اتحرك "
اعترفتُ لها آخر اليوم و نحن في طريقنا للعودة
" غريبة ، ساعتها شكلك كان فرحان قوي "
حاولتُ استعادة اللحظة : لأجد أن فزعي جعل عيني ّ تبرقان بشكل ٍ ما ، جعل مسامي يقظة جداا ، و ربما جعلني في حالة حب لكل ما يعانق اللحظة " الأخيرة " بحياتي حسبما عددتها ---- ألا يعطي ذلك مشهدا للفرح ؟!
ليلا ً -- تصادفني كلمات " يوكيو ميشيما "
:
" إن الرعب وحده كفيل بتجديد الوجود "
فأتفهم
****************************************************
الأيام الماضية عنت لي العودة لحماس ٍ و شغف لا يُصدقان للكتابة --- تحديدا -- كتابة القصص و خلق عوالما أخرى --- على قدر كبير من السذاجة و المباشرة --- أعرف --- لكن الغريب حقا أني أستشعر تلك المتعة الفائقة التي كانت تصاحب الكتابة قبلا ، و التي فقدتها منذ زمن بعييد --- كنت أكتب فيه ، لكن دونما تلك المتعة الاستثنائية
****************************************************
الشعور بالمتعة الفائقة -- و الشغف ، و الحماس كانوا هناك أيضا عندما بدأتُ في تحرير قائمة أفلامي المفضلة ، ترتيبهم و تقييمهم بعدد من النجوم ، مع استحضار شبه كامل لحالتي أثناء معايشة تلك الأفلام : إنه الفن / و اكتشاف أنك مازلت تمتلك القدرة على الانبهار ، و الاستمتاع ، و رغبتك في اكتشاف ذاتك و الآخرين و العالم من حولك
****************************************************
دُهشتُ كثيرا و أنا أُنصت لكلمات و صوت زياد رحباني في أغانيه و مقاطعه الصوتية ، و دُهشت أكثر و أنا أتحمس كثيرا لصوت " سلمى مصفى " مقاطعة ً إياه أحيانا : " ما عندي أيييييي مشكلة بها القصة ، ما باعرف ليه انت عاطيها ها القد أهمية يعني ؟ " --- --- " يا الله !!! لشو جينا ل هون نحنا ؟ " --- أو ترد في ثقة و لا مبالاة : "ههه --- و إذا يعني ؟ " --- أو -- " انت ما قلتلي بدنا نناقش ؟ كيف بيكون النقاش ؟ إذا ما وافقت معك على رأيك ، لازم وافق معك على رأيك ؟ "
و ما أثار دهشتي أكثر من هذا و ذاك هو أن محبي أو بالأحرى " مهوسي " زياد رحباني غالبا ما يقدمونه للآخرين باعتباره ظاهرة موسيقية ينبغي الالتفات إليها ----- لم تجذبني ألحانه أو صوته بالقدر الكافي عندما قدمه لي أحد الأصدقاء ---- و ما أكتشفه هذه الأيام أن " زياد رحباني " ظاهرة ثقافية شاملة ---- و مذهلة حقا --- لا يمكن الاكتفاء بأحد جوانبها للتعرف إليها
أما سلمى ، فأتذكر جيدا تعليقي على صوتها في أغنية " بتموت " --- قلت لصديقي بلامبالاة : " صوتها ميت " / الآن ---- أكتشف سلمى مغايرة تماما : صوت لا يمكنك إلا أن تراه و تتلمسه ، بل و تتشرب دقائقه و نبضاته و أنت تسمعه
*****************************************************
تؤكد لي المواقف - مهما تغير الزمان و المكان و الصحبة - أن المديح شيءٌ يزعجني حقا -- أتحجر تماما أمامه --- أشعر أني في ورطة ، لا أعرف بم أرد أو ماذا أقول --- يتلبسني التوتر ، و الحرج ، و شيءٌ من الضيق --- و أبدأ في الشعور بعدم الراحة ، و تثقل ابتسامتي فأستشعرها مفتعلة / هذا عندما يكون مديحا صادقا
أما من يمتدحني بغرض المجاملة ، فلربما أشعر بنفس الأحاسيس ، لكن بشكل مخفف --- فعندها لربما أمزح ، أو أقلب الأمر كله رأسا على عقب --- أو كلمة شكر واثقة من أن المسألة كلمات مجاملة لا أكثر
***************************************************
بحثتُ كثيرا على النت --- بين القنوات الاخبارية --- على محطات الراديو ، و لا سيما إذاعة لندن
و لم أجد سوى بعض صفحات النت هي ما تؤكد وفاة الرئيس المصري " مبارك " ، أو - على أقل تقدير - تقول بصحته المتدهورة
بعد ذلك ، ينتشر الخبر نفيا من خلال محاكمة " إبراهيم عيسى " لتأكيد " الدستور " ل " الاشاعة " و نشره لها
يفترض البعض أن الحكومة نفسها ربما تكون هي من سربت هذه " الاشاعة " لمعرفة ردود فعل الشعب من ناحية ، و ربما ل " جر " رجل بعض الصحف للنشر ، و من ثم محاولة للتخلص منهم
أقرأ الأهرام اليوم لأجد مقالا ناريا ضد " الأقلام المغرضة " التي تنال من " سيرة الرئيس " و تشيع مرضه أو وفاته / و كأنها بقت شتيمة اليومين دول /
أفكر بالنهاية --- ما الذي ننتظره أن يحدث حتى لو صحت مثل تلك " الاشاعة " ؟ هل ينتظر أحد ما تغير شيء ما بذاك الحدث " الجليل " المرتقب ؟
هل أنا- كمواطنة عادية - لأتوقع حدوث شيء جديد إلا المزيد من الأكاذيب ، ذات الجهات المتعددة هذه المرة ؟
*************************************************
و تاني --- تاني --- تاني
اتفرمت الجهاز من تاني
و اختفى كل شيء : الأغاني --- الموسيقى --- البرامج --- الصور ---- صفحات الورد الكثيرة ---- المواقع المفضلة --- و كتاب " النساء من كوكب الزهرة " - لأنه الوحيد ما استطعتُ قراءته على الشاشة
و على الرغم من ( فيمتو ثانية ) الحزن التي عبرت ببالي ، إلا أني شعرت بالراحة ( راحة الحذف المعتادة ربما ) ، و بأن " هييييييييييييييه ، يمكنني بدء كل شيء من جديد على بياض ، و ما أهتم به حقا هو ما سأسعى باتجاهه ثانية ، كما أن هذا سيعطيني مساحة رائعة لخوض اهتمامات جديدة "
الآن --- أسعى للتخلص أيضا من كثير من الأوراق ، و الكتب ، كتابات لم تنته ، --- -كما حذفت كل اللينكات التي كانت هناك على "الريدر " الخاص بي على جوجل --- لأفسح لي فضاءات جديدة
**********************************************
إنجازٌ حقيقي --- هكذا أعتقد " قصيدة النثر "
ليس فقط لمحاولاتها الدائبة للكشف عن شعرية هذا العالم ، أو لتحول الشعر معها من محاولات عدة للاتيان بلغة جميلة و صور و تركيبات مدهشة إلى إمتصاص القصيدة للغة و إضاءة التجربة كاملة بها
أعتقد أن " قصيدة النثر " أحد معالم النضج في نقطة إدراك الشاعر لنفسه و للعالم من حوله
عندما يعود الشاعر إنسانا عاديا - و ربما هامشيا - متساءلا ، لا يدعي نبوة أو كهنوتا أو فروسية كيشوتية مدافعة عن قضايا ضخمة و مقولات براقة --- أعتقد أن الشعر عندها قد تخطى مرحلة مراهقته بكثييير ، و هاهو يتألق في طور الرشد
**********************************
شهقتُ عندما رأيت اسم المسلسل :
" لا أحد ينام في الأسكندرية " !!!!
" إبراهيم عبد المجيد " !!!
كنت مهووسة بالاسم فحسب منذ " أوراق " إذاعة لندن ، و صوت السيدة " هادية سعيد " المتحمس مستشهدا بأسلوبه أكثر من مرة في تقييمها لبعض ما وردها من قصص متميزة حقا ---- أما بعد " بيت الياسمين " ، و " ليلة أنجيلا " ، فقد صار البحث عن " لا أحد ينام في الأسكندرية " واجبا مقدسا
كيف سيكون المسلسل ؟ و هل سأتضرر ربما إذا ما ارتضيت مشاهدته في الأيام القادمة حتى أستطيع وصولا للرواية ؟
هذا ما لا أعرفه ، و مالم أقرره بعد










