السبت، يوليو 02، 2016

أخطبوط


* Deactivate my account 
كان الأمر مفتوحا فيما سبق .. تضغط على هذا الخيار ليختفي كل أثر لك من على الفيس بوك حتى ترغب أنت في العودة، حتى لو ابتعدت شهرا أو أكثر ... 

أحاول إعادة نفس هذا الخيار منذ قليل لأفجأ بأنه لم يعد مسموحا لك بمحو نفسك من دنيا الفيس بوك لأكثر من سبعة أيام ... وكأنك موظف قد استنفدت رصيد أجازاتك ! 

أدوس على الأسباب الممنوحة أمامي عذرا لرغبتي في تعطيل حسابي على الفيس بوك واحدا وراء آخر... لأجد الحل يقدم أمامي من قبل إدارة الفيس بوك لأجربه سواء كان "عذري" ضياع الكثير من الوقت عليه، أو غيره، "دعنا نعلم ما مشكلتك، يمكننا مساعدتك" ... أكاد أتخيل الجمل المكتوبة أمامي على الفيس بوك موظف خدمة عملاء -أو بالأحرى موظف تسويق - بإبتسامة واسعة "مصرا" على مساعدتك في اختيار سلعة ما أنت غير راغب حقا في اقتنائها مهما بدت مزاياها الرائعة ... 
"لا أرغب وكفى!" 

أفكر جديا في محو حسابي للأبد على الفيس بوك... لكني أعتقد أني لست بهذه الشجاعة بعد... بل ربما تستبقيني بعض الأشياء التي حفظتها في بروفايلي للاطلاع اللاحق .. أو بعض ما كتبت هنا أو هناك ... 
لكني حقا أشعر كمثل المدمن الذي يعرف تماما أن المخدر يدمره تدريجيا، لكنه يعود إليه باستمرار حتى بعد بعض من تعافي ... 

أكره الفيس بوك منذ زمن طويل حتى على الرغم من أني أول رواده من دائرة معارفي وأصحابي .. حتى لو استفدت منه عمليا أيام عملي في الصحافة، أو كان جزءا من عملي كمنسقة إعلامية وعلاقات عامة ... حتى لو استفدت منه شخصيا بإيفنت جيد هنا أو هناك ذهبت إليه من خلاله واستمتعت به ... حتى لو سمح لي أحيانا ببعض اختلاس نظر إلى بروفايلات بعض ممن أهمني أمرهم في وقت من الأوقات ... كما سمح لهم أيضا بالمثل ... - أو ربما لهذا أكرهه- .. حتى لو رسم لي أحيانا صورة بها قدر من النجاح والتحقق ... 

أكره الفيس بوك حتى وأنا أستخدمه بشكل معتدل أحيانا أو بشكل عادي أحيانا أو بشكل إدماني أحيانا ... 

حاولت كثيرا الابتعاد ، وكتبت كثيرا على هذه المدونة ذاتها - حسبما أتذكر عن ذلك، لكني كنت أفرغ غضبي اتجاهه هنا ثم أعود إليه ببساطة لأسطر شيئا ما أو أشارك شيئا ما ... 

لكني حقا مللت ... 

الفيس بوك هو من أكثر الأشياء التي قربت جداا بين الناس درجة المباعدة ... 

غضبت من صديقتي وشبه قاطعتها مدة طويلة فقط عندما أغلقت حسابي لمدة من فترة، لأجدها تتصل بي فزعة خشية أن أكون قد حذفتها من عليه! اغتظت جدااا : كيف لم يؤثر بها كل الجفاء الذي بيننا طوال الفترة الماضية ، وآخر مكالمة بيننا، وتأثرت بمثل هذا التصرف التافه ! 
هل أصبحنا مجرد أسماء لدى بعضنا البعض على الصفحات؟ 

عندما سافرت أمريكا قررت ألا أقول لأحد على سفري إلا عند عودتي ... وأخبرت أبوي وإخوتي قبل سفري فقط بحوالي الشهر تقريبا وطلبت إليهم ألا يخبروا أحدا حتى من العائلة 
...
من جهة، كوني أسافر المرة الأولى خارج مصر، ووحدي، وفي إطار خارج إطار العمل الحكومي الذي أنتمي إليه، هو شيء يستدعي التحبيط والافتراضات الخزعبلية التي قام بها أبي وأمي مشكورين بالفعل، ولم يكن لدي الطاقة ولا الوقت لأسمعها ثانية من آخرين ... 
ومن جهة .. شعرت أن لا أحد هناك ليهتم ... لا عائلتي .. ولا أصدقائي ... ولا أي أحد ... 
 ليس هناك من يهتم ليعرف "عني" أنا ياسمين شيئا ، وليس هناك من أهتم لأجري إليه وأخبره بالتفاصيل وأشاركه حقا ونسعد معا ونخطط معا ... 

صارت الأمور في حيز "الأخبار" التي هي بعيدة عنك ولا تخصك في شيء لكنك قد حصلت على "امتياز" المعرفة فحسب ... 
سافرت وقمت بتشيير بعض الأشياء وأنا في هذا المطار أو ذاك وبعض الصور لأجد ما توقعت : الحماس المبالغ فيه من الجميع باعتبار أنه شيء "واو" / السفر أن يحدث لأحد معارفك / بينما أنت تجلس متململ حيث أنت ... وغضبت عمتي أني لم أخبرها بسفري وأنها علمت به عن طريق ابنتها من الفيس بوك! 

ماذا لو لم أضع شيئا من سفري هذا على الإطلاق؟ لم يكن أحد ليعرف أي شيء! لأنه ليس هناك من أي علاقة قريبة حقيقية تعرف فيها كيف كان الناس أمس وكيف أصبحوا حقا ... 

أيضا ، كان أكثر ما يضايقني اهتمام زميلات العمل "الذين على شيء من انسجام معي في العمل " بي وتوددهن إذا  ما كتبت يوما أني متضايقة أو لست سعيدة أو أن هناك ما يؤرقني ... في حين أني فعليا أمامهن! نحن معا ولكن كل شيء على ما يرام لأن لا أحد يلاحظ أحدا حقا قدر ما يلاحظ تطور أموره عبر الفيس بوك! 

صرت أصلا أشعر بالشك في مشاعري أنا شخصيا وأنا أقرأ شيئا هنا أو هناك لأحد معارفي القدامى أو أتابع صفحته أو صوره ... صرت أشعر حقا وكأني "أتجسس" على حياة بعيدة عني .. حتى لو وضعت "لايك" أو كومنت... بل لو كان هناك حدث جيد يحتفي به أحدهم، صرت أشك في صدق مشاعري بالفرحة له ... لأن المسافات تناءت.. ومن أعتقد أني أشاركه فرحته صار هو نفسه شخص حيادي .. بعيد ... لا علاقة لي به .. ومشاعري في حقيقتها هي مشاعر عادية ... صحيح أني أتمنى الخير لكل الناس ... لكن "كل الناس" يقعون في الناحية العادية من الأشياء والمشاعر والأحداث ... حتى لو كانوا معارف سابقين أو أصحاب سابقين أو مشاركين في درب ما ... 

ولا يبقى على الجهة الأخرى إلا القريبون حقا : الأحباء .. والأصدقاء.. ومن نتواصل معهم دائما ونشعر بالراحة في وجودهم من البشر حتى لو لم تكن علاقتنا قوية إلا في ابتسامة نتبادلها بصدق وكل منا يسير إلى جهة ... 

صار يقلقني أصلا كمية "الاختزالات " التي صرنا إليها ... كلنا صرنا مختزلين في كلمات وصور ... فقدنا أصواتنا ... فقدنا ملامحنا وهي تتغير وتتلون من حال إلى حال ومن شعور لشعور ومن جملة لجملة ... 

أنا منهكة حقا ... وأشعر وكأني قد تحولت إلى صورة "أنيماشن" في عالم كارتوني ... وأريد العودة مرة أخرى لبشريتي ... أريد العودة جسدا وحضورا وانفعالات وصوت ... 

الأحد، يونيو 26، 2016

يا مداام ... يا آنسة ..

"يا مدام ... يا آنسة " 
يجرح أذني النداء ، ويضايقني .. 

"التحيز المعتاد ضد النساء.. ف حتى في النداء هن تابعات .. يتم نداءهن طبقا لما يعتقده المنادي لحالتهن الاجتماعية! " 

" يا متجوز .. يا متجوز" 
" يا عازب .. يا عازب" 
ألا يبدو النداء جنونيا وغريبا عندما تحاول تذكير القاعدة التي يتم التعامل بها مع النساء؟ 

وبدلا من أستاذ محمد .. تناديه يا المتجوز محمد .. أو يا محمد يا متجوز.. أو يا العازب محمد ..  
أو يا آنس محمد .. يا راجل محمد .. 

تدور الأفكار بسخط في ذهني عادة عندما يتم استعمال كلمتي "آنسة" و" مدام" .. أو يتم -بكل سماجة- السؤال: آنسة ولا مدام؟ 

بل؛ ومحاولة التخمين أيضا ! نظرات مدققة وازنة الجسد وطريقة اللبس والعمر .. والله أعلم ماذا أيضا ! 

"أستاذة"
لأجد الدهشة ممن قد يتداول معي الموضوع: ليه وانتي محامية؟ ليه وانتي مدرسة؟ 
لأسأل السؤال المنطقي: لما بتحب تنادي واحد ما تعرفوش بتقوله يا إيه؟ وكل اللي بتقولهم يا أستاذ بيبقوا مدرسين أو محاميين؟ 

*********

"يا مدام ... يا مدام " 

تمر السنون ليضايقني النداء أكثر ... تخفت اعتباراتي النسوية قليلا لأكتشف أن كلمة "مدام" كلمة أكثر ثقلا من "آنسة" على ما يظلل الاثنين من اعتبارات سمجة ... 

فكرت: هل لعدم زواجي حتى الآن دخل في هذا؟ 

أحاول أن أتخيل الموقف وأضع نفسي داخله: متزوجة، ولدي أبنائي، وأحدهم يناديني: يا مدام ... 
لأجد أن الأمر أكثر بؤسا بكثير.. وأستشعر ثقل الكلمة أكثر فأكثر ... 

... 
أتكشف الأسباب: الكلمة تشعرني بأن عمري يزداد، وأني أترك تلك الفتاة الخفيفة الشابة ضئيلة الجسم إلى امرأة ناضجة جسما وشكلا وبالتأكيد روحا وموضوعا ... 
نفقد براءة أرواحنا ويصير العالم الذي كان واسعا رحبا عملاقا في أعيننا مجرد لعبة أشبه بالمكعبات .. وضئيلا وعاديا ... 
ألم أصبح أنظر هكذا غالبا إلى هذذا العالم؟ 
ألم أكتشف عدة اكتشافات غيرت نظرتي تماما للناس والعلاقات والأشياء والحياة؟ 
ألم أعد - مثلا- أنظر إلى كل علاقات الحب والإعجاب التي مررت بها في حياتي، والتي يمر بها 99.9 % من الآخرين إلى كونها مجرد نداء الطبيعة الغريزية لا أكثر؟ ! 
وكل تلك النظرات التي كنت أردها إلى ائتلاف الأرواح، وإلى أفاعييل السماء، وكنت أبتهج بها و"أنكسف" منها، ألم أعد أردها إلى قدرات الذكور في تجميع قواهم الجنسية وصبها في نظرة إلى فتاة يشتهونها؟ ألم أعد أواجه مثلها بجرئة واستخفاف وحسم جاعلة من يحاولون هم من يحيلون نظرهم إلى الأرض، وليس أنا كما كنت أفعل وأنا بعد تلك الفتاة الساذجة؟ 
ألم أكن أحن في صغري لعيش أجواء فيها زخم سياسي واجتماعي كبير كمثل ما كانوا يدرسونا إياه صغارا؟ ألم أعد أرى كل هذا "كلام فارغ" وإدعاءات ، بل و "لعب عيال" - سلطة وثائرين؟
ألم أعد أرى أن ليس هناك من تقدم أو تطور حقيقي نحياه؟ ألم أعد أحن إلى حياتنا في فجر التاريخ، وأرى أننا لم نتحرك كثيرا كبشر من هناك، وكل ما تغير فقط هو ما حولنا من أشياء، وليس نحن حقا؟ بل أحيانا.. بعض حلقات أسلافنا أكثر تطورا منا ؟
ألم أعد أنظر للحياة نفسها إلى كونها أشبه بدورة المياه التي تتبخر وتصعد لطبقات الجو العليا في صورة بخار، ثم تتجمع مكونة سحبا، ثم تمطر إلى الأرض مرة أخرى؟ 
ألم أعد أرى أن أرواحنا جميعا تمر بمثل هذه الدورة الطبيعية بشكل طبيعي فنولد ونحيا ونموت لنولد ونحيا ونموت .. وهكذا؟ 

ألم أعد أرى نفسي مجرد رمز في كود كوني طويل.. وكل ما ظننته يوما من أن أحدنا قادر على تغيير العالم إلى آخر الأفكار الحماسية الطفولية لم يعد موجودا؟ 
ألم أعد أرانا جميعا مجرد أدوات لإيصال أفكار وأحوال بعينها؟ وإذا ما سكنت عن آداء دوري كأداة، فستكون هناك آداة أخرى غيري فاعلة؟ 
لقد كبرت كثيرا ... لقد "شبت" تحديدا ... غزا الشيب رأسي وإن حاولت مداراته بالصبغة حينا والحنة حينا والأعشاب حينا ... 
وليس الشيب ابيضاض شعرات رأسي فحسب، بل كذلك ابيضاض بعض أحلامي .. بعض أمنياتي السابقة ... بعض أفكاري الملونة الصاخبة ... إننا نكبر ونتحول ... حتى لو لم نتزوج أو ننجب ... 

وتأتي كلمة "يا مدام" كخبطة في الرأس تذكرك دائما بهذه الحقيقة ... 
بالإضافة بالطبع لاستدعاء تلك الصورة لامرأة متزوجة لديها مسؤليات كثيرة من زوج وبيت وأبناء ... وغالبا امرأة غير سعيدة.. أحمد الله أني لم أخطو نحو أن أكونها، لكن الكلمة تردني ردا إليها ...
**** 

السبت، مايو 28، 2016

لا أسرار غير عسكرية (أبي وأمي)


معضلة محيرة هي المفاضلة بين "طقس الاعتراف أوالبوح" وبين فكرة "الاحتفاظ بالخصوصية" ... 
تلك المعضلة التي صاحبت بدايات الكتابة على البلوج ... 
"شغف" اخترت اسما مغايرا لاسمي الحقيقي، كما كانت العادة سائدة في البلوجات... لكن عندما طرح الأمر بين بعض زملائي وأصحابي ببساطة قلت لهم اسم البلوج واسمي التدويني... وشعرت بأنه ذنب كبير بأن يكون اختياري لاسم استعاري هو مجرد حيلة لإخفاء شخصيتي وكينونتي الحقيقية ... لأستطيع الكتابة بحرية عن أدق خلجات نفسي وأفكاري ومشاعري مهما تكن دون أن يعرف الآخرون أنها أنا ! 

لم تدم الفكرة في رأسي لأكثر من ثانيتين لأنفضها فورا ... فأنا ما أنا عليه، وفي إخفائي وإدعاء أخرى كذب ... في محاولات الإخفاء المتعمدة كذب .. وكان الاسم فقط هو محاولة للاختيار .. محاولة لاستدعاء مايبهجني ويجعلني أرتفع للسماء في اسم..

في إحدى المناقشات بيني وبين صديقتي أيام ثانوي، توصلنا لمبدأ مفاده أنه لا يوجد أسرار إلا "الأسرار العسكرية " لدى الدول ... أما فيما عدا ذلك، فالسر عبء ودليل على عدم التوازن النفسي غالبا ... 
لا أعرف ماذا كانت أكلمت حياتها تبعا لذلك المبدأ الذي صككناه يوما أم لا، لكني أحاول دائما.. 

في أحد البوستات الغاضبة منذ حوالي الست سنوات، وفي إطار حملة "كلنا ليلى" ، كتبت بغضب عن تفاصيل تخص علاقتي بعائلتي وبأبي... 

بعد كتباتي للبوست بوقت، وبعد انحسار الغضب، وبعد تتالي التعليقات .. بدأت أشعر بالخجل ، والعار... وباهتزاز صورتي جدا لدى الآخرين - خاصة من يعرفونني - وبأني مستهجَنَة وشوهت "احترام" صورتي .... مشاعر سلبية كثيرة أحسستها جعلتني أراني ضئيلة (أو أرى ضآلتي في عيون الآخرين لتنعكس إليّ) .. درجة أن فكرت في حذف البوست أو إخفاؤه ... لكني لم أفعل طبعا ... فلا أسرار ولا ادعاءات ... وعليّ أن أقبل سلبيات شخصيتي وسلبيات حياتي كي أستطيع تجاوزها ... 

وفي الواقع، كان لهذا تأثير السحر على حياتي فعلا ... فقد استطعت المضي قدما ... وهناك أشياء عديدة تغيرت في تفكيري وتصرفي وحياتي بشكل عام بعد تلك الانفجارات الغاضبة على البلوج بعيدا عن الصورة اللطيفة العاقلة الوقورة المهذبة التي تؤخذ عني عادة في الحياة الواقعية ... 

******** 

* زماان وأنا صغيرة، كنت أعتقد أن كل العائلات عائلات مثالية يسودها التفاهم والحب والمساندة ، وأن عائلتنا فقط هي ما يسود داخلها الجدال والغضب والصوت العالي ... كنت أشعر بالخزي ...  
وكان يدهشني جداا أن أبي بالنسبة للآخرين هو شخص لطيف دمه خفيف حلو الصحبة يؤمن دوما الأغذية والمشروبات للطريق ويلعب مع الجميع في البحر ويسدي بنصائحه الحكيمة لأطفال ومراهقي العائلة ... 
وأمي تلك السيدة اللطيفة الودودة جدا الاجتماعية الكريمة المرحبة بالآخرين التي يحبها الغريب قبل القريب ... 

ولا أعرف كيف يتحول الحال هكذا وتسود المجادلات التي تكررت العديد جدا من المرات بذات تفاصيلها منذ أن كنت صغيرة وحتى بعد مرحلة الجامعة ، والتوتر داخل المنزل ... درجة أني كنت أسخط على أمي أنها لم تُطلَق من أبي - معظم سنين حياتي - ومؤخرا بدأت أسخط على أبي أنه لم يطلق أمي ... 


لم أكن أحب أن أتحدث عن عائلتي ... كان بعض الزميلات يتحدثن عن عائلاتهن بحب أو فخر أو حتى بشكوى أحيانا ... لكني لم أستطع... فكل العائلات متوادة ومتوائمة ومثالية - في نظري أيامها - إلا عائلتي ... 

فقط مؤخرا - منذ بضع سنوات قليلة - بدأت تذهلني الاكتشافات : 
- عدم الوئام وعدم التفاهم طبيعي جدا داخل معظم العائلات... وخاصة تلك التي "تبدو" مثالية ... 
-  عائلتنا تعتبر حقا جيدة أو "معقولة" بالنسبة للكثيرين 
- دخلت بيت إحدى زميلاتي التي كانت تتحدث بمثالية جدا عن أبيها وأمها وعلاقتها بكل منهما ... وفوجئت بشكاوى أمها منها وتفاصيل كثيرة كانت تقولها هدمت الصور المثالية التي كانت ترسمها الزميلة لبيتها وعائلتها ... مما جعلني أدرك كيف أن الكثيرين يرسمون الادعاءات ويعيشونها ... وأنا ظروف حياتي كانت مثالية جدا لرسم الادعاءات على المستوى الاجتماعي والأسري.. لكني فقط لا أفعل هذا بل أسعى لتدميره رغبة في الصدق... بينما الطبيعي في مجتمعنا هو "الادعاء" ولا شيء إلاه! 
- .. بدأت أتفهم أن أبي وأمي فعلا شخصين لطيفين ومن الممكن أخذ الجيد فيهما، لكن كان من الأفضل لو تزوج كل منهما شخص آخر ... فكميائهما ليست متوافقة ...

- على الرغم من أني طوال عمري - باستثناء آخر 3 سنوات- كنت آخذ صف أمي على طول الخط، وكنت أستنكف أن أشابه أبي في شيء (ففي قاموس أمي : تشبه أباك = متحجر القلب) ... إلا أني أحمد الله حقا أني أشبه أبي أكثر من أمي ... أبي عملي ، منطقي - حتى وإن قاومني وقال لي أني أتفلسف وأعقد الأمور - لكن في أحيان كثيرة هو لديه منطق بسيط يتحدث من خلاله ... أبي لايجامل ، مستفز أحيانا ... لايحب الشكوى ... لايحب الكذب ... 
أما ما أخذته من أمي فهو حساسيتها الزائدة والتأثر الزائد - ولو كان وقتيا - 

*************

رأيت الموقف بأكثر من تجلي له على مدى سنين عمري: 
* يكذب الأب أو الأم أو الرئيس ... يقول الابن أو المواطن أنه يكذب ... يقال له "اسكت يا قليل الأدب عيب تقول كده على باباك " 

لأدخل إلى الحيرة : هل العيب هو وصف أحدهم بالكاذب أم العيب هو أن يكذب هذا الشخص أصلا؟ 

هل الكلمة هي الحجر الذي تم إلقاؤه؟ أم المصيبة في فعل الكذب الذي يغير الحقائق وقد يودي بمصائر البعض أو حيواتهم؟ 

هل الخطأ أن أتحدث عن مشكلات حياتي الشخصية ؟ أم أن الخطأ أن تكون هناك مشكلات بهذه الحياة تحتاج إلى تصحيح؟ 

ولماذا يخشى الناس عادة من افتضاح مشكلاتهم ومساوئهم وعيوبهم؟ لماذا يصرون على التخلي عن "بشريتهم" والاختباء وراء صور مثالية مدعية ؟ 

هل المشكلة أن أتحدث عن مشاعري السلبية اتجاه أهلي؟ أم أن تأكل تلك المشاعر في روحي وعقلي وأحيا بذلك الشعور بعدم الراحة وعدم التواؤم المسكوت عنه؟ 

******************

* أعتقد أنه عليّ مواجهة مشاعر الخزي والخجل والعار التي يحمل كل منا قدرا منها داخل روحه منذ أن كان طفلا صغيرا ... ببساطة نحيا في مجتمع غير صحي وغير متوازن نفسيا (خاصة بوحدته الأساسية : الأسرة) ... وكل منا يحمل مشاعر سلبية داخله ... 
وأعتقد أن أقصر الطرق للتخلص من المشاعر السلبية هو مواجهتها والبوح بها في محاولة لإدراك جوانبها المظلمة وتنظيفها . 

****************
ملاحظة أخيرة: 
أنا سعيدة لمعاودة الكتابة هنا هكذا مرة أخرى. 

الجمعة، مايو 27، 2016

اشتعال


أفضل شيء حقا هو أني أعمل وأعيش ببلد آخر بعيدا عن أهلي، وأمي تحديدا.. خاصة مع مرض تلك الأخيرة .. 
في أجازتي الأسبوعية أتصور أن الأمر سيمضي في توافق ومودة ومحاولة حمل أمي على كفوف الراحة، لكني لا أجد سوى الاصطدام الدائم، الذي لا أستطيع مقاومته أو تجنبه .. فالبديهيات لدينا حقا متناقضة .. وأي نقاش ينتهي بالاتهام بالغرابة والشذوذ والشعور بالسخط والغضب.. في البداية كان هذا يحدث منها اتجاهي، وصار الآن يحدث مني اتجاهها واتجاه المجتمع كله.. 

منذ قليل، كنت أقرأ لها "فكاهة" من الفيس بوك .. عن ذلك الزوج العربي الذي ادعى لزوجته في باريس أنه يسافر على متن الطائرة المصرية المتوجهة للقاهرة - تلك الطائرة المنكوبة التي اختفت - بينما كان هو عند زوجته الثانية،  ولما اختفت الطائرة، ظل حائرا حتى الآن كيف "يعود إلى الحياة" .. 

علقت هي أنها ستفرح لأنه لم يمت ... 
دُهشت بشدة وقلت أن الأفضل لها أن يكون قد مات وهو محتفظ بصورة جيدة له لديها ، بدلا من أن يعود خائنا كاذبا غشاشا ... فراحت تجادل بأحقيته في الزواج بأخرى ، وبدلا من الارتماء في أحضان الحرام ... إلخ .. 
هي نفسها من كانت منذ قليل تقول تعليقا على مشكلة إحدى القريبات أن "الست لا يصح أن تطلب زوجها إلى السرير بل تنتظر رغبته هو " ... 
فقلت لها ردا على الاثنين مرة واحدة: "إذن من حق المرأة هي أيضا أن تذهب للبحث عن زوج آخر بدلا من الارتماء في أحضان الحرام" ... فطاردتني بتهم الغرابة وضربان المخ ... 
قلت لها أنها - مثلها مثل معظم الستات في بلدنا - ترى نفسها "قليلة" وترى أي ست "قليلة" ... ليس لها كرامة .. ليس لها حق ... تحيا في الذل وترى أنه شيء طبيعي ... تبرر لصاحبة المشكلة التي ضربها زوجها أن هذا شيء طبيعي وكلهم هكذا ... وأن الخطأ يقع فقط عندما ترد الزوجة على زوجها، أما غير ذلك فهو "عادي" ... 
قلت ما لدي ... لم أستطع فرملة ... وأعتقد أني أحيانا أسبب ارتفاع ضغط الدم لها كما تفعل هي لي أثناء مناقشاتنا .. 
البديهيات متناقضة تماما ... 
والغريبة أن أبي - الذي ظللت أنظر له طوال عدد من السنوات على كونه سبب سوء العلاقة بينه وبين أمي وعدم الوفاق المعتاد أثناء النقاش فيما بينهما - أكثر منها تفتحا وإدراكا للمساواة وتحفيزا لإخوتي الذكور على تحمل مسؤلية المنزل والمشاركة في أعبائه، بينما هي من ساهمت في ري بذرة القيم الذكورية في تصرفاتهم - وتصرفات أحدهم تحديدا - 

أكثر ما أنا نادمة عليه هو أني عشت طول هذا العمر وأنا أسمع أمي تشكو أبي وتسرد تفاصيل تصرفاته "متحجرة القلب" بالنسبة لها منذ أن كانا خطيبين إلى الآن ... وتقول هذا أحيانا أمامه وأن "طول عمره كده" ، وهو يكتفي بالتجاهل ... 
مؤخرا فقط بدأت أدرك أنها هي السبب الأول والأساسي في ما تحيا به من مشاعر سلبية نجحت في إيصالها إلي ...
مشكلة أمي أنها تستمريء دور الضحية وتجد أنه دور طبيعي تحفز هي مسبباته على الظهور ... 
لا تسعى لحل ما يؤرقها ، بل تستمريء وتستلذ الشكوى منه واتهام العالم حولها ... 

مشكلة أمي أنها مثل ملايين الأمهات المصريات ... ملايين أفراد الشعب المصري ... أمي مواطنة أصيلة لهذا البلد بسياسته بأفكاره بممارساته ... 

أو ربما هي مشكلتي أنا ... أنا البطة الغريبة القبيحة التي تنمو إلى بجعة تستطيع التحليق في نظر بط  أبيض لا يستطيع الطيران.

متشردة


استمتعت كثيرا جدا وتلبسني شعور بالحرية والبراح والسعادة وأنا أدرس قصيدة "المتشرد" The Vagabond  في الفرقة الثانية بالجامعة. 

كانت على لسانه، يحكي فيها كيف أن بيته كبير وواسع، فبيته هو الأرض كلها.. كوبه هو النهر .. سقفه السماء.. لايحمل عبء أشياء تقيده .. ربما لا أذكر تفاصيل القصيدة الآن، وأضطر لعمل سيرش لإيجادها وقراءتها من جديد، لكني أذكر جيدا المتعة والسعادة والشغف اتجاه مثل هذه الحياة ... 
أيضا، أكثر ما توقفت أمامه، وعلق بذاكرتي من أحد كتب السيرة الذاتية، جملة تقول : "ثراء ألا نملك شيئا" ...

تقفز هذه التفاصيل أمامي كلما حاولت تخطيطا لحياتي المادية أو تفكيرا في إثرائها ... أشعر أحيانا بالارتباك والتشتت عندما أبدأ في ذلك أو في وضع طموحات مادية لي... 

أعتقد أني فعلا "فقرية" و متشردة بطبعي ... وعلي الاتساق مع ذلك.. 


**********************
قصيدة 
The Vagabond
(بعد البحث)  للشاعر : روبرت لويس استيفنسون (القرن السابع عشر على ما أتذكر) 

Give to me the life I love,
  Let the lave go by me,
Give the jolly heaven above
  And the byway night me.
Bed in the bush with stars to see,
  Bread I dip in the river --
There's the life for a man like me,
  There's the life for ever.

Let the blow fall soon or late,
  Let what will be o'er me;
Give the face of earth around
  And the road before me.
Wealth I seek not, hope nor love,
  Nor a friend to know me;
All I seek, the heaven above
  And the road below me.

Or let autumn fall on me
  Where afield I linger,
Silencing the bird on tree,
  Biting the blue finger;
White as meal the frosty field --
  Warm the fireside haven --
Not to autumn will I yield,
  Not to winter even!

Let the blow fall soon or late,
  Let what will be o'er me;
Give the face of earth around,
  And the road before me.
Wealth I ask not, hope, nor love,
  Nor a friend to know me.
All I ask, the heaven above
  And the road below me.

الجمعة، مايو 13، 2016

بالعكس .. 1) سر الثلاثة أيام

بالعكس بالعكس بالعكس ...

1) 
سر الثلاثة أيام



كانت الفتاة البولندية غاية في الغرابة.. كانت تضحك أو تبتسم عند كل ألم أو حزن: 
عندما ضربها أخوها الصغير ذات مرة، عند موت الجدة الأثيرة لديها، عندما سقطت على زجاج مكسور جرح ذراعها جرحا بالغا وجرى منه الدم كثيرا حتى كادت تفقد حياتها..
أما عندما كان يعطيها أحدهم قالب الحلوى الذي تحبه أو يدغدغها أو يلاعبها، فقد كانت تبكي، أو تصرخ فزعا، أو على أقل تقدير تظهر تقطيبة في غاية السوء .
اجتمع العلماء وانفضوا قائلين أن أعصابها معكوسة، وأنها الحالة النادرة الوحيدة التي وجدت – أو التي وضعوا أيديهم وملاحظتهم عليها في التاريخ – لهذا الخلل الفسيولوجي. 

كان هناك خلل ما فيّ أنا أيضا: لا أحب الكذب، لا أحب المجاملة أو المديح، يبهجني الصدق والصراحة حتى لو كانا جارحين أو يمسان تصرفاتي بقدح أو انتقاد، أفزع عند تفاخر الفتيات بمهورهن وما جاءهن من هدايا، وأرى في فكرة "المهر" نفسها تثمينا وتسليعا لا أقبله على نفسي ما ضخم منه وما صغر.. 

ولا أحب المفاجئات الاحتفالية، وللدقة: أكرهها. 

اجتمع الأصحاب والمعارف والأصدقاء معا دوني.. لثلاثة أيام شعرت أن هناك مؤامرة تحاك خلف ظهري.. لثلاثة أيام شعرت أن الجميع متحد ومتسق وهناك سرٌ ما يجمعهم كلهم يشيرون إليه من بعيد، وتبرق أعينهم له دون مشاركتهم إياي.. حاولت تخيل الأفضل، وأن هذا الأمر يخصهم بشكل شخصي، وسيطلعوني عليه في الوقت المناسب وعليّ أن لا أكون فضولية أو أتدخل في حياة الآخرين حتى لو كانوا لي أصحابا..وماذا لو كانوا هم أقرب إلى بعضهم مني؟ يرتاح الإنسان بشكل تلقائي إلى شخص أكثر من شخص.. هذا طبيعي وعلي ألا أغضب إذا ما كنتُ أنا ذلك الآخر بعد حرف "من". حاولت إقناع نفسي، فاقتنعت، لكنها لم تستطع منع  تلك الغصة  وذلك الشعور بالوحدة والعزلة، حتى صرت أشعر بنفسي عبئا ووجودا زائدا عن الحاجة .. لثلاث أيام كنت أعاني وحدي ..

 ثم:
"هيييييييه !! سنة حلوة يا جمييييل ... "
كنتُ أنظر لهم في صدمة ووجوم وضيق حقيقي.. وربما غضب أيضا..ألهذا "الخراء" المستنسخ المدعو عيد ميلادا عذبتوا مشاعري لثلاثة أيام؟ ألهذه "التورتة" التي لا آكلها من الأصل، وهذه المياة الغازية التي تمرض معدتي، وهدايا المناسبات التي لا أحبها، والكلمات المكرورة المعادة المبتذلة للجميع بنفس الصيغ ونفس الأسلوب؟
هل من المفترض فعلا أن أصدق أنهم فعلوا هذا من أجلي وأمتن له؟ أن يفعلوا لي كل مالا أحبه، ويقولون لي بشكل واضح أنهم لا يعرفونني حقا ولا يهتمون بمعرفة ما يهمني أو يسعدني حقا، بل يحتفلون بي إدعاء في إدعاء؟
كان الجميع أقرب إلى بعضه مني ... فالسر يجمع ناسا ويعزل ويبعد غيرهم .. هل أدركوا المسافات التي ابتعدوا فيها معا دوني وتركوني أنادي أو أتلمس صحبة دون مجيب خلال الفترة الماضية؟
لم أقل أي شيء.. لكن وجهي وتعبيراته المتضايقة قالا الكثير، فحل الارتباك، ومضي بقية اليوم سيئا على الجميع، وبخاصة على المتحمسين الأوائل لفكرة "مفاجئة عيد الميلاد"..
وعلى الرغم من بهجة الجميع – أو ادعائهم البهجة – يوم عيد ميلادهم ومفاجئات أصحابهم وكلماتهم المتوقعة، إلا أني قررت عدم مشاركة الاحتفال بعيد ميلاد أحد منذ ذلك اليوم.

الجمعة، مايو 06، 2016

مأساة الماضي


بدا عبثيا جدا وفكاهيا أن تقرأ العرافات أحداث الماضي بدلا عن أحداث المستقبل في "مائة عام من العزلة" لتلك القرية التي أصيبت بفقد ذاكرتها، واختلطت عليهم الأحداث والأشخاص والأشياء..
لكني أدهش وأنا أكتشف هذه الأيام أننا بالفعل لسنا في حاجة لمن يتنبأ لنا بما قد يحدث في المستقبل، قدر حاجتنا لمن يتنبأ لنا بما كان عليه الماضي.. خاصة ذلك الماضي السحيق البدائي الذي لا ندري عنه شيئا.. ماضي رحلة الإنسان على ظهر الأرض قبل ظهور من يدعون النبوة والوصل بالآلهة / الإله.. ثم أثناء تلك المرحلة التي لم يصلنا منها سوى ما أراده المنتصرون أن يصل، وتم طمس كل ماعدا ذلك.
أيضا لايعنيني كثيرا أين سأذهب بعد الموت، في حين أننا لم نعرف، بل لم نفكر أين كنا قبل أن نأتي للدنيا.. أين كانت أرواحنا ومن أين أتت؟ أنا على يقين أنها ستذهب من حيث أتت..
غموض كثير يحتاج نبشا في أراضي ماضيه، لأن الماضي هو ما يفسر الحاضر ، وهو ما يصنع المستقبل بشكل ما، ومازلنا ندور في فلك الماضي الذي لانعرفه إلا تكهنا وتحيزا – كأرواح ، كبشر ، كمصريين حتى ..
فمثلا فكرة التدين المظهري وممارسة الفساد كطبيعة تلقائية داخلية لدينا (حكاما ومحكومين، كلٌ في سياق حياته العملية والشخصية) ، يعود إلى كل سنوات، بل قرون الاحتلال التي كنا نحاول تغلبا عليها بإدعاء مايريده الحاكم والآخرون أيا كان وكانوا، وفعل ما نريده في الخفاء .. (مسك العصا من المنتصف) ... (طظ) التي كان يتهرب بها المصريون من دفع الضرائب على البضائع مدعيين أنها ملحا ... تتراكم التفاصيل لتصنع نفسية شعب وطريقة حياته على مر العصور...
كما تتراكم التفاصيل التاريخية والاقتصادية والسياسية والدينية لتحيط معاصم وأعناق النساء، وتحيط معاصم وأعناق رجالهم وإن بدرجة أقل نسبيا ... لتصنع حياتنا نحن شخصيا في قرننا الحادي والعشرين وإن ادعينا الحضارة أو التقدم أو أننا غير أسلافنا القدامى، لكننا في الواقع نحمل تراثا ثقيلا جدا تتسع تفاصيله، ونفقد ربط النهايات إلى بداياتها، أو رد الأشياء لأصولها الحقيقية، فنحيا بتفاصيل ونفسية وعقلية غير واضحة ولا مرتبة ، بل تشوهت فيها الأفكار، وتراكمت طبقاتها وتعفن بعض أجزائها وانحشر غير المتسق منها معا، وبتنا ندعي أننا أكثر تقدما وحكمة ممن ذهبوا، بينما نحن أكثر تخلفا منهم، لأننا كائنات شائهة لاتعرف لماذا أصبحت كذلك، ولا لماذا تفعل هذا الشيء أو ذاك أو ما الذي تؤمن وتصدق فيه حقا ، وما الذي تردده بلسانها وكأنه يقينا دون أن يصدقه عقلها أو قلبها حقا ..
جرعات مخدرة قوية أعطاها لنا الساسة القوادون ورجال الدين المنتفعون والتجار الذين صرنا بضاعة لهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، فلم يعد ينبض لنا عقل أو قلب إلا قليلا.
أعتقد أن الجنس البشري يحيا في مأساة كاملة، لكنه لايستطيع رؤيتها لأنه مغموس داخلها بالكامل.

السبت، أبريل 30، 2016

سحاب

*
هو دائما من يفعلها ويهدد روحي ويشعرني أن هناك في هذا العالم من يمكنه أن يردني إلى نفسي ردا جميلا ..."زياد سحاب" .. تلك الموسيقى وذلك الصوت وتلك الأوتار التي تجعلني أتنفس ببطء وأتشرب الأنغام والصوت إلى داخلي مع كل نفس .. شكرا لأنك هنا يا زياد. 





الاثنين، أبريل 11، 2016

كوكتيل هموم


1) 
للمرة المائة: "لاتذم ولا تشكر غير بعد سنة و6 أشهر" 
ولا ينطبق هذا المثل على البشر فقط، بل الأوضاع والأشياء والأحوال عموما..

أشعر باكتئاب يزداد حدته يوما بعد يوم بسبب شعوري بالعجز في مكان عملي الذي غيرته منذ بضع شهور وكنت طائرة به.. 
الوضع المؤقت استمر ليجاوز السبعة أشهر.. وإلى الآن: لا مكتب، لا كمبيوتر، لا نت ، وتسويفات دائمة بشأن هذه الأشياء، وبشأن تفاصيل أخرى متعلقة بالعمل.. ذهبت ممتلئئة حماسا ورغبة في العمل ولدي من الأفكار الكثير، لكن حصالتي تنضب يوما وراء آخر، ولا أفقد حماسي فحسب، بل أفقد اهتمامي نفسه.. أفقد رغبتي في مجرد النزول والذهاب.. صحيح أن الحكومة لا يهمها سوى الحضور والغياب، وإمضاءات الحضور والانصراف، لكن هذا ليس عمل! وشيء سخيف جدا أن يشعر المرء بلافائدته وأنه "عالة" على المكان الذي يمكث فيه... وأنه غير قادر على مباشرة عمله، ولا تقديم يد العون لشيء أو لأحد ... 
ربما تنتهي كل التفاصيل المؤقتة قريبا جدا .. لكن بعد تدهور مشاعري اتجاه كل شيء... 
أريد الخروج من هذه الحالة المقيتة... 




2) 

لا أعرف كيف سأنظر إلى هذا الأمر لاحقا.. لكني - بشكل ما - ألهبت سخط أمي ورفضها للعلاج الكيماوي.. درجة قرار - لا أعرف إن كان جديا أم لا، ومصيبا أم لا - بأنها ربما لن تخضع للعلاج من الأصل إذا لم يكن هناك بديل سواء اشعاعيا أو غيره.. 

لكني قلت ما أفكر فيه، وشكوكي اتجاه الأمر كله.. 
وبالأخص أني كنت أفكر لنفسي بالأساس ، باعتباري مرشحة بشدة لهذا المرض، فهكذا اثنتان من عائلة أبي، واثنتان من عائلة أمي منهما أمي نفسها .. 
لكني لا أؤمن بجدوى كل تلك المواد الكيماوية التي تدمر خلايا الجسم نفسه مع تدميرها للأورام ... أيضا، أفضل الموت سريعا عن خوض كل تلك التفاصيل والاجراءات المرهقة ، وعن كل ذلك الألم الجسدي والنفسي والمعنوي ... 
الشك يساورني بين الحين والآخر، وألم مفاجيء يغزني هنا أو هناك، أو كتلة صغيرة من شيء ما تظهر أو تخفت أو ... ربما يكون شيئا عاديا وربما لا .. لكني في كل الأحوال سأحرص على أن أحيا بصحة جيدة بشكل عام... حتى لو كانت تلك الصحة العامة الجيدة ينتابها ألم ما مابين الحين والآخر، أو كانت تخفي تحتها شيئا آخر .. 
من حق المرء أن يقرر لنفسه، وأنا قررت لنفسي حتى من قبل أن يحدث أي شيء بشكل واقع .. وفقط "وزيت" أمي ..



3) 
أشعر أني فاقدة للطاقة منذ ربما الشهرين، أعتقد أني في حاجة ماسة لشحن طاقتي .. وسأركز فقط على فعل هذا خلال هذه الآونة. 


4) 
"ومالك محموقة قوي كده ليه وحارقة نفسك بالشكل ده؟ أنا مواطن مصري وعاجبني اللي عملوه" 
قال أبي..
هل انتقلت حالة السخط لي من الأجواء الفيسبوكية بشأن جزيرتي "تيران" و"صنافير" ، واللذين لم أسمع اسميهما من الأساس من قبل؟ 
في الواقع أنا لايهمني شيئا بشأن الجزيرتين أو غيرهما، لكني فقط ساخطة على النظام .. ساخطة على أن هناك فرد واحد - هو رئيس الدولة أيا كان- يمكنه أن يمنح أو يمنع، أن يقرر أن هذه الأرض لاتتبعنا أو هي من صميم شأننا.. والأدهى: يمكنه شن حرب تزهق فيها الأرواح بشأن مترين أرض بدعوى الوطنية والانتماء، وهو نفسه الذي يمكنه ترك كيلومترات من الأرض دون محاسبة ... 
أي مواطن يمكن في أية لحظة إلصاق تهمة "خيانة الوطن "  و "العظمى" ومن الممكن إصدار حكم الإعدام عليه لسبب تافه لايهم الوطن في شيء.. بينما رئيس الجمهورية - أيا كان- ودون استشارة أحد ودون اعتبار لأي مجلس شعبي أو نيابي منتخب أو أي فرد في ذاك الوطن المدعى هو وحده من يتصرف بأريحية وتطلق أعظم الصفات ويحظى دوما بالتأييد حتى لو قرر إبادة نصف الشعب، فلن يتحدث النصف الآخر بل سيصف قراره بالحكمة ومصلحة البلد ! 

سخطي ليس على هذه الحادثة أو غيرها ... ليس على هذا الرئيس أو غيره ... بل علينا كشعب... لا، بل على هذه الدائرة الجهنمية التي وضعت لنقع أسرها ، ولا علم لي كيف يمكن الخروج منها .

السبت، فبراير 20، 2016

رحلة أسبوعية بسبب جنة الشياطين

قررتُ ألا ألقي بالا لتلف أسناني، وطيران أنصافها المفاجيء.. فقط: المسكنات والمضادات الحيوية كانت تفي بالتهدئة اللازمة للألم.

كنت أحسبها هكذا: حسب الحلم الذي حلمته منذ حوالي العشر سنوات، فلم يكن يتبق أمامي سوى عامين على الأكثر في هذه الحياة.. وحتى لو كان الحلم كاذبا، فالواقع يقول أن الموت قرر حصاد جيلنا بالذات مبكرا ... وما يدريني أن رأسي ليس هو القادم تحت منجله في قطفته القادمة؟  وسيكون بالتأكيد من الأسهل على الأرض لتحيلني ترابا أن تقل عدد أسناني .. 
وبالتالي فليس هناك من داع لحشو أو علاج، فقط المسكنات والمضادات الحيوية تعمل بشكل جيد.
 وأعتقد أن هذا القرار لم يخص أسناني فقط، وإن لم أقلها لنفسي بصوت عال. محاولة ألا أستدعي بخيالي أي أمراض أخرى
******

من سخرية القدر أن تتعبنا الأسنان هكذا في كل مراحل حياتنا، بل وموتنا أيضا: نسنن صغارا فتزيد حرارتنا وتؤلمنا اللثة ويصيبنا الصداع ولا نستطيع نوما ونظل نبكي دون أن يستطيع ذوونا تخفيف آلامنا... 
تنمو قليلا فنظل نختبرها في كل ما حولنا من مواد صالحة للأكل كانت أم لا .. 
نتبدل من الطفولة إلى المراهقة فتقع أسناننا اللبنية، وتنمو لنا أسنان جديدة، ربما بآلام جديدة.. 
نصل منتصف العمر فيوقظنا ألم الأسنان والتهاباتها .. 
نصل حافته، فنصير غير قادرين على طعام أو شراب بسببها بشكل أساسي... أو بسبب فقدان معظمها .. 
نموت ، ونتحلل، وتمر بنا القرون إثر القرون، ولايتبقى منا سوى بعض العظام مع بعض الأسنان ... 
أليس غريبا أنكِ تفقدين بسهولة هكذا ونحن على قيد الحياة، فإذا متنا كنتِ آخر ما يبقى؟ 
وأليس غريبا أن يكون الطرد المزعوم  لآدم من الجنة بسبب تفاحة؟ في حين كان يختبر أسنانه التي لم يكن طفلا ليجربها في كل ما يصلح ومالايصلح للأكل.. في كل ماهو مسموح أو ممنوع لأكله... آدم الذي استيقظ ليجد نفسه قد وجد مكتملا ..وغريزته الطفولية التي لم يعرفها سوى كشيء غامض جدا ألحت عليه أن يجرب كل شيء بفمه أول ما يجرب.. ليس لليد معنى، ليس للقدم، ليس لأي حاسة من الحواس سوى الفم الذي لم يذق ثدي أم أبدا ... 

*********

 غير قراري السابق بتجاهل مشاكل أسناني وما قد يطرأ لا قدر الله من مشاكل تعتري جسدي، فيلم : "جنة الشياطين" الذي شاهدته كاملا مؤخرا فقط







كانت ملهمة تلك اللحظة التي فتح فيها الأشقياء فم "طبل" بعد موته ليسرقوا منه سنته التي اعتقدوها ذهبية ... فهو لن يكون بحاجة لها هناك .. في العالم الآخر ... وإزدادت اللحظات إلهاما، بعدما استعاده ذووه.. فإذا بهم يحممونه (وهو على حاله من الموت) / أو يغسلونه بمصطلح إسلامي، ولا أعرف هل يسمى الأمر هكذا في الثقافة المسيحية أيضا أم ماذا /... ويشترون من أجله بذلة فاخرة ، ويحضرون طبيب أسنان ليمنح أسنانه شكلا مقبولا .. 
بل ويركبون له سنة ذهبية حقا .. 
إنه ميت !! صحت داخلي وأنا أشاهدهم وهم يحولونه من شريد "معفن" إلى واحد "على سنجة عشرة" وهو يستقبل الموت .. 
ربما بالطبع هذا لأنه حسب التقليد المسيحي - كما نراه على الأقل بشكل معتاد في الأفلام الأجنبية- سيتم وضعه في التابوت، ليلقي عليه المعزون نظرة أخيرة قبل أن يوارى تابوته التراب.. فليس أقل من أن يبدو غير مخيف أو مقزز للزائرين، إضافة بالطبع إلى وضع أسرة "طبل" في فيلم "جنة الشياطين" وحرصهم على المظاهر وعلى محاولة استعادة مكانة وسمعة مفقودتين كان الفقيد سببا في فقدانهما بتشرده.. فإذا بهم يحاولون طمس ما فات بموته، ومحاولة الاستعانة بموته نفسه في أن يغفر الآخرون له سمعته السالفة. 
 .. 
وبعيدا جدا عن الصراعات والأحوال السيكولوجية لأبطال الفيلم، فإن الفكرة قد راقتني حقا: أن يمضي المرء اتجاه الموت مهندما .. أن يعيد وديعة جسده كما أخذها: في حالة جيدة على الأقل! 

لذا، بدأت الرحلة الأسبوعية إلى طبيب الأسنان من جديد.. ويبقى أيضا حقيقة مفادها أن هذا لا يزعجني، فأنا أثق في أطباء الأسنان وأكثر نوع من الأطباء أستريح في التعامل معهم.