الخميس، أبريل 09، 2009

هدية كبيرة لعيد ميلادي

أحلى هدية جت لي في عيد ميلاد .
شكرا يا محمد ، و ربنا يخليك ليا .

الأربعاء، أبريل 01، 2009

حفلة صغير ة لعيد ميلادي




مقدمة كاتباها على الفايس بوك ، و معاها قايمة بأصحابي اللي هناك اللي كان ليهم بصمة مميزة معايا السنة اللي فاتت ....

بيقولوا إن من السذاجة إن الواحد يحتفل بعيد ميلاده ، لأنه كده بيحتفل بوقت مخصوم من عمره ، و بأيام ضايعة منه ...
بالنسبة لي ، بأشوفه يوم مميز إن الواحد يقعد مع نفسه يعيد حسابات عمره ، يشوف كسب إيه و خسر إيه و اتعلم ايه و ناوي يخطط إيه للي جي ..... إيه اللي كان المفروض يحصل و ما حصلش ، و ما حصلش ليه ؟ و هل لو كان حصل كان اتغير حاجة فعلا ، طب ايه المانع لو نجرب في الوقت اللي جاي ... كده يعني

ممكن طريقة التفكير دي تبقى محبطة شوية لبعض الناس ، لكن بالنسبة لواحدة إيجابية و متفائلة زيي بيكون الوضع العكس تماما .... لأني يمكن بأتعامل مع الأمور بموضوعية شوية ، ما بأعرفش أندم على حاجة ، و مؤمنة بالسطر الشعري بتاع نزار قباني : " فأهم مما قد مضى ، ما سوف يأتي " . ده غير إني بأحتفي أكتر بقيمة إني اتعلمت حاجة من اللي فات حتى لو كانت على حساب إني خسرت حاجة أو كان المفروض أحقق حاجة ... و كمان أنا بأمتن للحاجات الصغنتوتة جدا ، و أشوف إن في كوني مريت بموقف كويس ، أو اتعرفت على حد كويس حاجة تستحق في حد ذاتها .. و يمكن النقطة الأخيرة دي ذاتها هيه اللي قررت أعمل على شرفها حفلة عيد ميلادي السنة دي ، و بسببها بأكتب دلوقتي ...


هنا بقى هاتكلم عن ناس تانية ما أعرفهمش ، بس كان ليهم أفضال جامدة عليا :

* شكراا جدااا لـ سواق التاكسي اللي لاقيته و أنا مجهدة و تايهة بالليل و في حتة شبه مقطوعة مافيهاش غير عربيات سريعة جدا ، و كنت شبه مفلسة و مش معايا غير يادوب اللي يرجعني بلدنا تاني و شوية فكة ، و لما سألته ع الطريق ركبني و وصلني لحد الحتة اللي ممكن أركب منها ، و هو عارف إن مش معايا فلوس تغطي المسافة اللي قطعها بيا دي كلها ..... كنت حد جنتل مان قوي ....

* شكرا للأستاذ اللي كان قاعد قدامي في الأتوبيس ، و لما فتح الشباك اللي جنبه و لاقى الهوا جامد التفت و سألني إن كان ده مضايقني فممكن يقفله تاني .... شكرا لذوقك

* شكرا للأستاذ اللي لما سألته على عنوان كنت بأدور عليه ، نزل من عربيته ، و فضل يدور بنفسه على حد يسأله ، لحد ما عرف و جه وصفلي المكان فين .


* شكرا للأستاذ اللي خد باله ، و وَقّف السواق و فكّره إن فيه واحد طلب منه إنه ينزل في المكان ده ، و دل الشخص ده على المكان بالظبط ..... كان فارق معايا جدا إني ألاقي حد بيساعد حد تاني من غير ما يكون مسؤل عنه أو إنه حتى يكون طلب منه مساعدة .... و شكرا لأنك وصفتلي المكان اللي هانزل فيه بالظبط ، و وصيت السواق تاني إنه ياخد باله م المكان اللي هاينزلني فيه قبل ما تنزل .... شكرا لأن إحساسك بالمسؤلية عالي قوي كده ...


* شكرا لدكتور الأسنان اللي كان رد فعله على كشفه على ضرسي إنساني و مهتم و متعاطف جداا ، طريقتك الأبوية في التعامل يا دكتور حسستني لوحدها ان الألم راح حتى من قبل ما كنت أجيب العلاج و أخده أو أخلع الضرس ... شكرا جدااا

* شكرا للجزار " الجنتلمان " اللي بيتعامل بذوق شديد جدا و إبتسامة لطيفة ، بيوجه الناس اللي عنده انها تخلص الناس بسرعة و تعملها حاجتها مظبوط ... بأستمتع جداا بالوقت البسيط اللي بأقف عندك فيه لحد ما الكفتة تتفرم .... شكرا لإنك حد ذوق و بتعمل شغلك باهتما م .



* شكرا للأستاذة مي الأمير .... في الفترة الصغيرة قوي اللي اشتغلتها معاكي ، عرفت يعني ايه الشغل الجد المظبوط ، و يعني ايه الواحد يبقى حازم و واضح و في نفس الوقت محترم و ذوق ... شكرا لإنك كده ، و شكرا لإني اتعلمت منك ..

* شكرا لـ خالد الصاوي ، مش علشان انت ممثل كويس- من أيام " المحاربون" - أو عشان انت حد بتفهم أو عشان كتاباتك المسرحية اللي استمتعت بمعظمها و بس ، لكن عشان شفت وقت ما تم استضافتك في أحد البرامج قد ايه انت حد موضوعي و ذكي و عندك استعداد دايم لتقييم نفسك و محاسبتها و مراجعتها و عندك درجة حلوة قوي من الصدق و الوضوح و احترام الذات و احترام اللي حواليك... شكرا اا جدا لإنك ورتني ان لسه فيه ناس كده .

* الأستاذ صاحب شركة أيبكس ، متشكرة قوي إنك رديت عليا ، و إنك بعتلي رسالة ع الميل لما السي في بتاع وصلك و حطتني في الشورت لست على الرغم من إني من مكان بعيد ، شكرا لأنك كنت واضح و صريح ، و ما ضيعتش وقتي و لا وقتك ، و سألت الأسئلة اللي كنت عاوز تسألها سألتها ع الميل .. و شكرا جدااا إنك كنت حد ذوق قوي و لما اخترت حد تاني للوظيفة بعت لي برضة و قلتلي ده ، و قلتلي أسبابك للإختيار ده ، مع إنه مش واجب عليك إنك تعمل كده ، و كان ممكن تتجاهل الرسايل اللي عندك ببساطة ما دمت لاقيت الشخص المناسب للوظيفة ....
فعلا فعلا لو كنت خسرت حاجة في إني ما حصلتش ع الوظيفة دي ، فهي الفرصة في إني أتعامل معاك ... شكرا جداا ..

* شكرا لكل حد دلني ع الطريق ، سواء في الشارع ، أو في الحياة ..... شكرا لإن الناس لسه كويسة و محترمة و الدنيا لسه فيها الخير ده كله ، على عكس الفكرة الشائعة اللي فعلا ما أعرفش ايه مصدرها ..

* آشلي : يمكن لسة ما اتعاملناش مع بعض كتير ، لكن صدقيني بساطتك و ذ كائك في التعامل كانوا فارقين جدا معايا .

* بييير :
واااو .... فعلا مش مصدقة إن ممكن آخر أيام السنة اللي عدت تجيبلي مفاجأة كويسة كده : إني أتعرف على حد بشخصيتك دي : الثقة ... تقدير الذات و احترامها ... البساطة ... الطموح ...الجدية .... الإيجابية ... إنك تبقى عارف هدفك بالظبط و تروح ناحيته بثبات و ثقة و من غير أي محاولات استعراضية ... و مقدرة جدا قد إيه انت بتحاول تنقلنا الثقة و الحماس و بتسهل الأمور علينا و تزللها لينا ...
You are a very good instructor, really.
أنا متأكدة جدا إني لسه هاتعلم منك كتير ، و إن أي مكان هايبقى مثمر جداا و مريح طول ما فيه ناس زيك ... شكرا .


* و أسفة جدا جدااااا للبنت اللي شوفتها مغمى عليها في ميدان التحرير رمضان اللي فات وقت المغرب ، و كان فيه شابين بيحاولا يفوقوها .... آسفة ليكي و ليهم إني ما وقفتش أو حاولت أساعد ، و إني كنت أنانية جدا وقتها ، و كان تفكيري مركز على إني متأخرة و لسه هاسافر و هايعملوا مشكلة في البيت ع التأخير ، و كنت مسبقة سوء النية إن ممكن الموقف ده ما يبقاش حقيقي و تبقى وسيلة جديدة للنصب ..... آسفة إني فكرت كده ، و ما شفتش قد ايه كنتي في موقف صعب ، و ممكن تكوني برضة متأخرة و قلقانين عليكي في البيت ، و قد ايه ممكن تحسي بالضيق و الانزعاج و الإحراج لما تفوقي و تلاقي إن ولدين همه اللي بيفوقوكي ، و همه نفسهم قد ايه كانوا محرجين و حاسين إنهم في ورطة و منتظرين إنك تفوقي أو حد يجي يساعدهم .... و ما قَدَرتِش إني ممكن في يوم م الأيام أبقى في موقفك ، أو حد يهمني يبقى مكانك .... آسفة قوي ، كنت وضيعة لأني ما وقفتش .... بس عرفت إن حقيقتنا بتبان وقت الظروف الصعبة ، مش وقت الراحة و الفراغ ، مش مهم توجهاتي و تصرفاتي إيه وقت ما أنا فاضية و مرتاحة ، المهم أنا إيه و أنا مضغوطة و مشغولة و في ظروف صعبة أنا و اللي حواليا .... شكرا لإني اتعلمت و شوفت ... هاحاول إن موقف زي ده ما يتكررش تاني .



و شكراً للأماكن كذلك ، و لبصمتها المميزة على روحي خلال السنة اللي فاتت :


* كافتريا نقابة التجاريين – نادي أدب بلبيس – مؤسسة نجلاء محرم – كافتيريا شدوان - التاون هاوس – مركز الجزيرة للفنون – المركز الثقافي الألماني في القاهرة – المسار جاليري – مسرح قصر ثقافة الزقازيق – المركز الثقافي الفرنسي ف اسكندرية – المشربية جاليري – ساقية الصاوي – كوبري أبو العلا – جاليري بيكاسو – أتيليه القاهرة – قاعة ناجي في قصر ثقافة الأنفوشي – شارع محمود بسيوني – clay café - قلعة قايتباي – مركز الفنون و القاعة الغربية بمكتبة اسكندرية – نادي القوات المسلحة اللي قبل محطة الرمل – خان المغاربي – الزمالك أرت جاليري – قاعة بورتريه ....

شكرا جداا لأني عرفتكم السنة اللي مرت دي ، و شكرا لأني قضيت فيكم لحظات مميزة و ممتعة ... بحبكم قوي ، و وحشتوني جدا .... و بأحس بالبهجة كل ما أفتكركم أو أمسك البرشورات و البوسترز بتاعة أي مكان منكم ...


* لستة الأماكن اللي لسه ما زرتهاش : أتمنى إني أكتشفكم انتم كمان السنة الجديدة دي


* شكرا لكل الكتب و الأفلام و اللوحات و المزيكا اللي قريتها و شوفتها و سمعتها و فرقت معايا ...

* شكرا للناس اللي أدهشوني و أمتعوني و أهدوني لحظات مميزة من خلال شغلهم :
شيرين مصطفى – الغول علي أحمد – مخلوف – منى البيلي – سامية مرسي الجوهري – جورج فكري – علي نوري – كارلا سيرون – محمد عبلة – يوسف زيدان – علاء الأسواني – أحمد العايدي – كمال الفقي ....

الخميس، مارس 05، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 9

عزيزي :

أتذكر الآن صدمتي الأولى في إكتشاف طبيعة ذلك الإعلان منذ حوالي الثلاث سنوات ، فأضحك لسذاجتي و جهلي بطبيعة الأشياء في عالمنا هذا ، و بخاصة في مجتمعنا العربي الفاضل ...
أتذكر جيدا فرحتي و دهشتي و شغفي عندما شاهدتُ ذلك الإعلان الذي ترعاه شبكة الإم بي سي ( mbc ) : مسابقة الأحلام ... أكبر مسابقة عربية ... شاهد أحلامك تتحول إلى حقيقة ... إتسيتيرا ... إيتسيتيرا ...
كانت الإعلانات آنذاك تتحدث عن المسابقة دون تحدث عن طبيعتها ... و بالطبع و لأن توأم روحك ساذجة و طموحة و خيالية ، راحت ظنوني وقتها إلى بعيد جدا ً ، فخلتُ المسابقة مسابقة ً حقا ً بين كل من لديه مشروع يتمنى تحقيقه ، أو فكرة مبتكرة يود رؤيتها تتجسد ، أو اكتشاف أو بحث علمي مثلا يود تحويله من حيز الدراسة إلى حيز التطبيق ؛ و أن الإم بي سي سترعي ما يصلح من هذه الأفكار و الأحلام و الشاريع و تتبناها بالتمويل و الخبرة المناسبة ليحقق الفائزون في هذه المسابقة / ( صاحبو أفضل الرؤى و الخطط بالطبع في خيالي ) / أحلامهم التي يعمد الواقع و الروتين و الإحباطات المختلفة إلى إجهاضها ...
و استبشرتُ خيرا ً كثيرا ، و شعرتُ بالإمتنان للعالم : ففيه مازال أُناس يفهمون ! و بلدنا مازالت بخير ، و .......
و بالطبع أسخر من نفسي كثيرا كلما تكرر ذلك الإعلان السمج هذه الأيام : " أرسل كلمة " دريم " أو "حلم " لتتحول أحلامك إلى حقيقة " / " حققت "فلانة" حلمها و حصلت على "بيت" " / " حقق "فلان" حلمه ، و حصل على سيارة " ...
الإم بي سي : نسخة القرن الحادي و العشرين إذن من مصباح علاء الدين !
إدعك أرقام الموبايل لتخرج لك الإم بي سي : و ... شبيك لبيك ، تطلب إيه !
و هي في هذا ليست بدعة أو نمطا ً جديدا ً ، لا على الإعلانات المشابهة التي تقول لك إطلب الرقم الفلاني لتكسب عددا ً من آلاف الجنيهات ، أو تلك الفوازير الساذجة التي تغطي عورة غبائها بورقة توت ، بل ، هي ليست بدعة أو نمطا ً جديدا ً على بلدان بأكملها اكتشفت مصباح علاء الدين الخاص بها في حقول بترول نقلتها مرة واحدة من "علاء الدين " الفقير إلى " علاء الدين " الأمير ، بلدان إقتصادها إقتصاد ريعي في المقام الأول – كما يسميه د.حازم الببلاوي - ، يعتمد لا على الذكاء أو الخبرة أو الجودة أو بذل مجهود ، بل على وجود ملكية ما ثابتة و الاستفادة بما تدره هذه الملكية على صاحبها من مال ، دون فضل منه سوى إمتلاكه لها : بإختصار لأنه يملك المصباح السحري ...
و بالطبع ، صار المصباح السحري الذي يحقق المتطلبات المادية للحالمين به هو الطريق الوحيد المأمول ... و صارت الأحلام مختصرة في الشقة أو الفيلا و السيارة ...إلخ ، التي تهبط عليهم من السماء ...
من الطبيعي جدا أن يحلم كلٌ منا بمتطلبات و إنجازات مادية ، و بمستوى معيشي مرتفع ، هذا رائع ، و أحلم به شخصيا ... لكن أن يكون هذا هو كل شيء .... أن تصير أحلامنا ، و يصير وجودنا في هذه الحياة مجرد سعي للطعام و الشراب و الملابس و الاكسسوارات الأخرى ، بل ، و في الواقع ، سعي لـ " إستهلاك" كل هذا دون تقديم شيء أو إنجاز يثبت إنسانيتنا ، فهذه هي السماجة بعينها ...
المشكلة ربما كانت في أني ظننت الإم بي سي الاختلاف و التميز عن ما هو قائم .... خاصة و أنا ألاحظ إتجاهها نحو تنمية الإبداع ، و أخذ الأمور بجدية : انظر مثلا لمسابقة أفلام الموبايل القصيرة تلك ، و التي فتحت منفذا إبداعيا لمواهب مميزة حقا ، و لأفلام قصيرة جيدة ...
تعرف ... ربما تكون المشكلة الحقة فيّ أنا : فها أنا ذي أُكمل انشقاقاتي عن تراثنا العربي الذي يعتد بعلاء الدين و يضعه في زمرة الخيرين ، فضلا ً عن وضعه في زمرة الأبطال ...
و ها أنا ذي أزدري المصباح السحري ، و خاتم سليمان ، و عصايا الساحرات جميعها ...
أنا ساذجة جدا يا حبيبي تعتقد أن السحر الحقيقي بداخلنا ، و ليس خارجنا ...
و حتى لو قالوا لي : انطقي بكلمة "حلم" لنحضر لكِ كل ما تتمنيه و على رأسهم من تنتظرينه و تشتاقين له جدا جدا ، لنظرت لهم بإستخفاف و أغلقت في وجههم الباب ؛ فحتى أنت : لقائي بك يعتمد جدا على أن أكون نفسي و أمارسها بكفاءة و صدق ... أحررها من مخاوفها ، و أحرر منها طموحاتها و أمانيها .... يعتمد جدا على أن يكون كلٌ منا نفسه حتى آخر قطرة في ذاته ، ليستدل كلٌ منا على الآخر ، و ليعرف كلٌ منا الآخر .


كن بخير ، و كن أنتَ .
أتوقع لقائي بك
سلام

الخميس، فبراير 26، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 8

عزيزي :

و أنا أعيد قراءة كتاب " النساء من الزهرة ، الرجال من المريخ " ، وجدتني أفكر من جديد في تلك التجربة المجهضة التي مررتُ بها منذ عدة سنوات ... و فكرت أن أخبرك ....بالأحرى : أن أعترف لك : كم كنت غبية ، ساذجة ، أنانية ، و جارحة ...
أعترف أني أمتلك القدرة على الإيذاء – دون أن أعرف – و أني آذيته كثيرا ، و بعمق ...
ربما جهلي وقتها هو عذري الوحيد الحائل بيني و بين الندم ... و إن كنتُ أشعر بالإشفاق تجاه تلك التجارب التي نتعلم فيها على حساب آخرين ...
هو شيءٌ غريبٌ جدا – مع ذلك – أن تظل على قناعتك بأنك أنت المظلوم المجروح المثقل بالطعنات لوقتٍ طويل من الوقت ، ثم يأتي شيءٌ بسيط جدا – كقراءة كتاب – ليهد لك كل تصوراتك عن الأشياء ... عن الأخرين ... و عن نفسك أيضا ...
هذا الإدراك اقتحمني منذ حوالي السنتين : عند القراءة الأولى للكتاب .. و لم أدر وقتها ماذا يمكنني أن أفعل ...
فلوقتٍ طويل كان يأتيني في الحلم بشكل شبه دوري : مُتعب ، مُثقل ، أو مريض ... أو آخرون يتتبعوني قائلين أنه في حاجة إليّ ... كنت أدير عنهم وجهي ، و أشعر برغبتي في الابتعاد ... كنت أشعر بعجزي في الحلم ، فليس ثمة شيء أستطيع فعله ... و كنت أقوم من النوم في حيرة : لماذا يأتيني في الحلم ؟ ألم ينته الأمر ؟
بعد الكتاب ، كل هذا تبدل مرة واحدة : فصارت أحلامي هي محاولة مني لتتبعه و اللحاق به : فقط ... أريد أن أقول له أني آسفه ... أني آذيته دون أن أدرك هذا ، و قد كنت أظن أن العكس فقط هو الواقع ...
فكرتُ وقتها أن أحادثه لأعتذر له عن كل ما حدث : عن أني لم أثق به كفاية في حين كان يستحق ذلك - ، لم أعترف به و أتقبله حينما كان ينبغي عليّ ذلك ، أني أفزعت حصانه ، و جردته من سيفه ، ثم أعلنت أنه ليس لي فارسا ً ، أني لم أكن واضحة كفاية ، و لم أغضب و أتشاجر معه حتى تجاه ما كان يضايقني ، و اعتبرتها جرحا ً للكرامة لو حدثته عن ما يضايقني مفترضة منه أن يفهم وحده ، أو أن التلميح وحده يكفي و يزيد ...
فكرتُ جديا في الاعتذار و إعادة الاعتبار له ، لكني تراجعت ُ في اللحظة الأخيرة : خفت أن أعيد فتح جرحه من جديد بسذاجتي المعهودة و أنا أدعي مداواته ... خفت من أن أذكره بما نجح في تناسيه ... خفت من أن أؤذيه مرة أخرى ... فتراجعت ، و كل ما صرتُ آمله حقا و بصدق هو أن يحب من جديد أخرى أكثر ذكاءا و حساسية و حكمة تستطيع إجتثاث مرارة تجربتي منه ...
كما أعرف أني أورثته المرارة ، أدرك أني أُرِثتُ معرفةً و ثقة و قوة ...
كان مذهلا ً حقا أن أقولها أمام أبي ، و أمي ، و ذلك الشخص الذي كان يحاول اقترابا : أحببتُ من قبل ، و أعرف ما الذي يعنيه هذا ، و لست مستعدة للارتباط دون حب ...
كنت أنظر لوجه ذلك القادم بثقة و أنا أقولها و أقول له أنه يعرف ذلك .... تهرب من المعرفة ، فأعدت الجملة كجملة إخبارية .... قال : " لا أعرف شيئا ، و لا أريد معرفة شيء " ، فهمس "محمود درويش " داخلي : " و خوفُ الغزاة من الذكريات "
و جئتَ أنت ببالي جدا ، و أنا أعرف أننا سنتبادل تفاصيل حياتينا و تجاربنا دون خجل أو خوف من المعرفة أو شعور بالتهديد من الماضي و أطيافه ، بل ؛ بتقدير و إمتنان لكل ما مر بنا و ساهم في تغييرنا و تشكيلنا من جديد ، و مواجهتنا لأنفسنا ... و ليس ثمة ما يمكنه فعل ذلك قدر الاقتراب من آخر
..

أتوق للقياك

سلام
الجمعة 20/ 2/ 2009
5:30 م

الأربعاء، فبراير 25، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 7

عزيزي :

كنتُ أشعر بالإنهاك و الضيق ، فلم أستطع التعامل بحكمة مع الأمر ...
كان رنين ذلك الرقم الغريب يتواصل يوما ً وراء يوم بإصرار غريب ... حتى بعدما رددت و أغلقت الخط في وجه صاحبه مرتين ، قال لي في الأولى أن صوتي يعجبه ، و في الثانية أنه يحبني .. تصور ! يحبني مرة واحدة ! أشعر الآن فقط – و أنا أفضي إليك بالأمر – كم هو طريف و مضحك !
و في الثالثة فتحت الخط لمدة دقيقة دون أن أتحدث ، أو حتى أنصت ( شريرة أنا قليلا ، أعرف :) ) .... ثم صرت أتجاهل الرقم تماما بعد ذلك ....
حقا ً لم أكن أشعر بالإستياء إتجاهه ، كانت يغلب على ّ الإشفاق و التعجب إتجاه ذلك الشخص و من هم على شاكلته – و هم كُثر - : أولئك الذين لا هدف لهم أو طموح أو حياة حقيقية ، تقتلهم الوحدة و الفراغ ، و ربما المشكلات ، و ليس لهم إلا تمضية وقتهم في معاكسات تليفونية / أو حتى معاكسات مباشرة في الطرق / ... أو ( معايشة الدور ) مع أي فتاة قد تصلح لذلك / ثم تقبل به / ... ليبوح لها بالكلمة السحرية : ( أحبك ) ، منتظرا ً منها أن تطير فرحا ً ، أو – كعادة البنات – تتمنع قليلا ً ( لزوم الأدب و التقل ) ، ثم أمام الإلحاح الذي يفتت القلوب تنصبه لها فارسا ً !
و لأني لم أكن في مزاج معتدل ، و لأني كنت أشعر بالإنشغال و الضغط ، و الإنغماس في محاولات الطرق على الأبواب المواربة و انتظار أن تعلن لي مواقفا ً صريحة ؛ لم أستطع ممارسة الحكمة أو التعقل أو القيام بسلوك إيجابي إتجاهه ... فقط أغلقت الخط متعجبةً أنه مازال هناك من "يعاكس" ، و بهذه الطريقة الفجة ......فذهني لم تكن به مساحة كافية لشيء آخر...
في وقتٍ آخر غير هذه الفترة ، لما كنت أغلقت في وجهه الخط أو تجاهلته ، لربما كنت لأضحك و أجاريه قليلا – كما نجاري الأطفال بسؤالنا لهم عن تصوراتهم عن الأشياء - ، ثم لأشير له إلى طرقٍ أجدى و أنفع عليه من العبث بهذه الطريقة ...
أشعر أني أكثر نضجا ً الآن ... فقد مضى ذلك الوقت الذي كان على الفتاة أن تظهر تجهمها الشديد و تبرمها و ضيقها من فتى يتعقبها ، بينما في داخلها تشعر بلذة آثمة خفية من أن هناك ثمة من هو معجب بها ...
لا أدرك هذا الآن فقط ... بل ربما منذ عامين تقريبا .. أو ربما أكثر .. في ذلك اليوم الذي سمعت فيه خلفي في الشارع فَتيان يوجهان لي جمل غزل ما ... لأفجأ داخلي بتلك الرغبة في أن ألتفت إليهما ، أنظر لهما مباشرة ، و أبتسم تلك الابتسامة – التي تبتسمها لطفل يحاول لفت إنتباهك ، التي تعني : " يا ختي كميلة ! تيتة خدت بالها خلاص ، روح روّح بقى " ، أو شيء من هذا القبيل ...
كان واضحا ً داخلي جدا – ربما لأول مرة – شعوري بأنه سلوك " عيالي " جدا أن يقوم أحدهم بالمعاكسة ... و أني لستُ متضررة أو متضايقة – كما كان يظهر على وجهي سابقا ً ، و لا أشعر كذلك بأدنى تقبل داخلي لأي مما يقال : عادي !
ليس إلا أمر جدير باستدعاء الشفقة حينا ً ، و الدهشة حينا ، و الاستخفاف حينا ... و استصغار عقول هؤلاء أغلب الوقت ...
ربما ما يضايقني حقا ً هو إبتذال كلمة "الحب" دائما ... دعك من المعاكسات ... و انظر للعلاقات العادية : الزمالة ... القرابة ... حتى علاقات الشات .. تكون الأمور على ما يرام في البداية ، أحاديث عادية جدا ، عابرة جدا .... تفجأ بعدها بمحاولة العبور مباشرة إلى مرسى الحب الوردي !!
لا أعرف كيف يسمح المرء لنفسه بأن يتلفظ – أو حتى يلمح – بكلمة الحب هذه ، و هو لا يعرف شيئا ً عمن يعتقد / أو يدعي / أنه يحبه .... لا يعرفه حقا .... لا يعرف كيف يبدأ يومه أو كيف ينهيه ، ماذا يحب و ماذا يكره ، ماذا يغضبه و ماذا يرضيه ، نقاط إتفاقهما ، و مساحات إختلافهما ... خططهما للحياة و مدى إتفاقها .... لا يعرف حتى معتقداته الدينية أو السياسية أو إتجاهاته نحو البشر .... و هو لم يجرب معه مواجهة مشكلة أو صعوبة ما ، لم يره و هو حزين أو مكتئب أو غاضب أو ساخط أو عصبي .....
المشكلة الحقيقية أن الناس غالبا ً تحيا حياتها على طريقة الأفلام العربية الركيكة التي فُرغت فيها الكلمات من معناها ، و تحولت فيها الأحداث و الأفعال لمجرد حوادث عرَضية ملفقة...
و ربما هذا هو أكثر ما يجعلني أتشبث بك :
إنتظاري لنضجك .... لفهمك ، تفهمك .... و تفاديك لشَرَك الكلمات ، و ما يمكن لها أن تحمل من إبتذال ، ركاكة ، سطحية ، أو كذب .

أنتظرك
الأربعاء 18/ 2/ 2009
3:00 ل

السبت، فبراير 14، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 6


عزيزي :

آملتُ أن تمطر السماء اليوم مع هذا البرد النسبي ، و مع الغيوم التي تملأها ... عادت أختي من درسها لتذكر أن السماء قد أدمعت قليلا ... ارتديتُ ملابسي و خرجت لتجابهني خيبة الأمل : فليس ثمة قطرة واحدة أجدها ، و الأكثر ... الجو يفقد برودته لحظة بعد أخرى ...
لكني لا أعتقد أن هذا هو سبب أساسي في الشعور بالانهيا ر الذي أصابني بعدها ، و أنا أحادث بعضا ً من معارفي على الشات ... وجدتني أشكو لاثنين منهما ... و أدمع ... نعم بكيت – رغما عني - ، و حمدت الله أن السايبر الذي أجلس به خالٍ ، و أن صاحبه يجلس في الدكان المجاور ... و حمدتُ الله كذلك أن هذا لم يحدث بالبيت ...
لا أحب الشكوى ... و الأكثر ... أني أشعر بالشفقة على من أحدثه بعدما أنتهي ، لأني أتركه في حيرة و شعور بالعجز ، و هو لا يعرف كيف يتصرف أو ماذا يقول ...
و أشعر بالضيق بعدها و الشعور بالابتذال : ليس لأنني أشكو ... و لكن لأني أشكو لمن أعرف جيدا أنه لا مساعدة هناك يمكنني أن أجدها منهم : ببساطة لأنهم لا يفهمون تركيبتي ، و لا يعرفون أزراري الخفية التي يمكنها إعادة معنوياتي المرتفعة ...
و ربما لم أكن في حاجة سوى للحديث و البكاء لا غير ... و هذان ليسا بالقليل ، و ربما لهذا ذاته أشعر بالضيق ، فهي لحظات لها من الخصوصية و الحميمية – حتى و لو كانت بسبب أشياء عامة كالعمل و عدم تحقق الذات - ما يجعلها غير قابلة للمشاركة مع أي شخص ...
و أعرف جيدا أنني كلما حاولت مشاركتها ، كلما شعرت بالضيق و بإزدياد العبء داخلي لا تخففه ...
هل هذا كله بديل عن أن أقول أني أحتاجك جدا ؟ .... لا أعتقد .
صباح هذا اليوم ، خطر ببالي أنه ينبغي لي " التعقل " قليلا ً ... و الكف عن الكتابة لك ، فـ ( الحالة ) قد خفت حدتها معي ، و يمكنني الآن إسكات " فيروز" ، و إستعادة جديتي و عقلانيتي ، و الكتابة عن أي شيء في الدنيا إلاك .... فما أنتَ سوى وهمٍ صنعته لأتسلى به .... آسفة ، هكذا كان عقلي يردد..
لكني الآن أدرك بيقين أنك قادم لا محالة ... أعرف ذلك ... فجأة وجدتني أسرد لنفسي أشياءا ً كثيرة كان لديّ الحدس بها و تحققت ... أو تمنيتها و تحققت : قطعة الأرض المهجورة بقمامتها على شاطيء " بحر مويس" التي تحولت لمشتل يملأوه الزهور و الخضرة .... الطرق الجديدة التي سرتُ فيها ، فإذا بي و كأني أشق طرقاً للأحداث أن تمضي فيها ... و أشياء أخرى لا مجال لذكرها الآن ...
في بعض الأحيان ، أشعر و كأني ساحرة : أشير على البعد بعصاي للأشياء و الأحداث ، فتتشكل كما أريد .... فقط هو نوعٌ غريب من السحر يأخذ الكثير جدا من الوقت قبل أن يتحقق ... فأنا لستُ ساحرة " سندريلا" التي بدلت حالها في التو و اللحظة ، و حولت الفئران لأحصنة ، و اليقطينة لعربة ...
أنا سحري يأخذ الكثير من الوقت ليتحقق : كذلك السحر الذي أنام الأميرة مائة عام ، و جمد المملكة كلها في الزمن ... إلى أن أتاها الأمير المنتظر ليفك السحر عنها و عن المملكة بأسرها ...
أمثلتي تجلب لي قدرا من كآبة : فلربما أتيتَ أنتَ بعد مائة عامٍ حقا بعد أن أكون قد طواني النسيان - و ( حدوتة ) وجودي لا يصلح فيها تجميد الزمن أو إيقافه- ... هل هذا ممكن ؟
لا أعرف سوى أن " الزمن" فكرة غامضة و مُربكة لأقصى درجة بالنسبة لي ...
ألقاكَ عما قريب - أتمنى -
سلام

الثلاثاء 10/ 2/ 2009
11:30 ليلا
ً

الجمعة، فبراير 13، 2009

بدون خيانة


" الاندحار المفاجيء ... أحد صفاتنا التي تسحقنا – أحيانا ً – دون سابق إنذار !
لا نعلم لها تفسيرا ً و لا نملك حيالها علاجا ً !
هزيمتنا تأتي منا ... و بأيدينا ... بدون خيانة ....
يتطاير العزم ... و تخور الهمم ...
نتوقف عن الحلم ... ننهار !
تتراجع ثقتنا بأنفسنا ...
تنسحق تحت ركام عصور طويلة من الخضوع ... عصور تتعملق أمامنا فجأة صارخةً فينا أننا لن نقدر .. لن ننجح !
و نصدقها .. و نجد أنفسنا منهكين .. متعطشين للهدوء و الأمان ..
-------------------------------------------------------
---------------------------------------------------------
الاندحار المفاجيء ... الشحن الذي يفرغ فجأة لنفيق و نجد أنفسنا كأننا كنا في حلم ! لا ندري أحقا ً فعلنا ما فعلناه ؟ و كيف فعلناه ؟ و كيف نستكمله ؟ "

من رواية " الغزو .. عشقا ً "
لـ نجلاء محمود مِحرِم

الأحد، فبراير 08، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 5


عزيزي :


ذهبت إلى مكتب السفريات ... اجتزتُ المقابلة ... و عرفتُ أني على رأس القائمة التي سيتم إرسال أوراقهن للسفارة للحصول على التأشيرة ... و وجدتُ أن أحد الأبواب المواربة الكثيرة قد انفتح فجأة أمامي ، و عليّ فقط أن أقرر عبوره ...
عرفتُ تفاصيل العمل هناك ...
و على الرغم من تأصل يقين فكرة السفر داخلي ، إلا أن هناك ثمة عزوف داخلي عن العبور من الباب الآن ...
تعرف ... ليس جبنا أو خوفا ... ليس لقلة الراتب النسبي – كما علق البعض على الأمر - ، ليس لذلك المبلغ الذي ينبغي دفعه في البداية – مع كثرة حالات النصب هذه الأيام - ، ليس لأنها أول مرة أركب فيها طائرة ، فالموت لا يحتاج إلى وجودي بالسماء ليقتنصني ، و الموتُ في الأعالي لن يفرقه سوى أنه بدلا من أن يبكيك ذووك وحدهم ، فسيأسف لموتك عددٌ أكبر من الناس لدرامية الميتة و إنتشار خبرها .
و بالطبع ليس إنتظارا لك J ، فأنا أعلم تماما – كما تعلم أنت – أنه ثمة مكان محدد و زمان محدد للقيانا ، و إن حُجب عنا الآن / و كأني أضعتك في لحظة سحرية ما في بدايات الوجود أنتظر حدوثها ثانيةً لأستعيدك /
فقط ... استوقفتني عبارة الرجل :
" سأقدم لكم عملا في الفترة المسائية أيضا بأجرٍ إضافي ... أنتن ذاهبات للعمل ، و ليس للكسل ".
سألتُه عما إذا كان يمكن الاعتذار عن تلك الفترة المسائية ، و المكوث في السكن للقراءة أو الراحة أو لأي شيء...
" لا يحق لإحداكن المكوث في السكن إلا لوقت النوم ... حتى لو مريضة أو تَعِبة ، هاك العيادة يمكنها الإستراحة بها "
هكذا رد ....
و هكذا إنهار مخططي العظيم و دافعي الأساسي للسفر : وقتي ملكي أتحكم به كيفما أشاء خارج ساعات الدوام الوظيفي ...
و تخيلتُ نفسي و هي تتحول إلى آلة لا تفعل شيئا ً سوى العمل و تجميع المال و النوم في آخر اليوم ... و انس بعدها كل ما قلته عن التجربة و الفهم و الإدراك و التوحد بالذات ، و عن المشاريع غير المكتملة التي أنتظر الإخلاص لها و التركيز عليها ... ( فأين الوقت الذي سيسمح لي بذلك ؟ )
هو نوعٌ آخر إذن من السُخرة المستترة تحت مسمى التعاقد على عمل .
لا تبتسم هكذا و تشي عيناك بما يدور بفكرك : فلستُ مترفةً يا عزيزي ، و لستُ في غنى عن المال أو أدعي ترفعا عليه ... بل تتراكم إحتياجاتي و طموحاتي و تطول القائمة بهما ... يصيبني الضيق و الاختناق أحيانا ً لقلة ما تبقى من مرتب لا يُسمن و لا يُغني من جوع ، و يمنعني الحياء و الكرامة من أن أمد يدي لآخذ نقودا ً من أبوي إلا تحت بند السلف الذي أعمد إلى محاولة تسديد قشور منه بين الحين و الحين – لا أعرف صراحة ً من أين تأصل داخلي ذلك الشعور بالإستقلالية و الإستغناء - ... و أؤمن جدا بمقولة "نوال السعداوي " تلك :
" يفقد الإنسان كرامته حين يعجز عن الإنفاق على نفسه "
و تلك المقولة الأخرى : " لا يملك قراره من لا يملك قوت يومه "
ذلك ليس للأمم و الأوطان فقط ... بل للأفراد في المقام الأول ... أو لا يتكون كل بلد من عدة أفراد ؟
- و كما هي البلد – يتكون مصير الفرد من عدة قرارات كثيرا ما يؤثر بها مدى إعتماده على من حوله ؟
لكني ببساطة لن أسمح لي بأن أشعر بسعة و يسر الحال أمام أن أفقد ذاتي و حريتي و لذة إستمتاعي بالحياة و الأشياء و بهجتي بها ... ثم أني لستُ متضررة و يائسة من البلد إلى هذا الحد ...
منذ عدة أيام ، شاهدتُ برنامجا بين مجموعتين من المتسابقين : مجموعة إنجليزية و أخرى أمريكية ..
فكرة البرنامج حقا ً غريبة و مبتكرة : زودت الشركة ( الإماراتية ) الراعية للبرنامج و المسابقة الفريقين المتسابقين بسيارات ... و على كل فريق إستغلال السيارات التي معهم – بأية طريقة ممكنة – لكسب أكبر قدر من المال خلال يومين . و الفريق الفائز هو من يكون مكسبه أكبر من الفريق الآخر ...
تتبعتُ بشغف مساعي الفريقين ، أفكارهم المختلفة و خططهم – ما نجح منها و ما فشل – لاستغلال السيارات : تنظيم رحلات سفاري للآخرين بها أمام مبلغ من المال ... إستغلالها في التسويق لمنتج معين ، و تصوير دعاية بها لإحدى الشركات نظير مبلغ معين ... إلخ
ما لفت إنتباهي حقا هي تلك الفكرة الجوهرية في البرنامج :
كيف تخطط لتستغل ما لديك بالفعل – أيا كان ، و مهما يكن ما ينقصك – لتحقيق أكبر قدر من الفائدة أو الكسب خلال فترة زمنية محددة ..
و صدقني يا عزيزي ... بدأت أعيد حساباتي ، و أفكر في كل ما هو ممكن تحقيقه بما أمتلكه بالفعل ..
أعتقد أن هذا بديل أفضل من أن أُلقي بذاتي هكذا خارج حياتي ... فأنا لم أجد هذه الذات ملقاة في الشارع ، و تعبتُ حقا حتى أوصلتها إلى نوعٍ من السلام .


سلام :)

السبت، فبراير 07، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد4


عزيزي :


لم أضعك في الحسبان عندما كنتُ أُقلِب وجوه الأمر ... أعترف...
لم أفكر جديا ً في مدى إحتمالية أن أقابلك خلال العامين القادمين عندما كان عقلي يردد بإصرار و ثقة :
" سأسافر ... يجب أن أسافر "
لم يكن عقلي وحده في الواقع ، بل روحي تشتاق السفر ... الوحدة ... و إتحاد مع الذات لا يشوبه مقاطعة أو تدخل من أحد .
تشتاق المعرفة كذلك ... و المعرفة لا تأتي إلا من التجربة ... تجربة الابتعاد التي تجعلنا أكثر فهما ً و أكثر إحتكاكا ً بمعاني الأشياء و جوهرها : الوطن ... العائلة ... الغربة ... حقيقة الذات ...
ذهبتُ لمكتب السفريات و لديّ يقينٌ غريب بأن الطريق مفتوحة أمامي ، و كان عقلي يرتب مع نفسه الكتب التي يمكنني أخذها معي ، و مشاريع الكتابة غير المكتملة التي يجب التركيز على أحدها هناك ، و ماذا يمكنني أن أضع في حقيبة يدي لأتسلى به في الطائرة ...
كانت صورتي واضحة تماما في مخيلتي و أنا جالسة بإستقرار في الطائرة ، صوت فيروز في أذني ، بينما فضولي يتنقل بي ما بين مشهد البلدان من نافذة الطائرة ، و الكتاب الذي بيدي ، و العلكة التي بفمي و أنا أختبر هل فعلا يمكن لها تقليل الضغط الجوي على أذني – كما قرأتُ يوما - ، و القرار بإستكمال الحديث مع الجالس / الجالسة إلى جواري أم لا ، و ربما عدة ملاحظات أو إكتشافات صغيرة تطرأ على بالي فأبتسم لها و أسرع بتدوينها في مفكرتي ، و ربما إبداء حماس ما أو طمأنة ما أو ثقة ما أو فرحة طفولية لأن جواز سفري قد مُنح – أخيرا ً – أول تأشيرة و ختم عليه ...
أتذكر الآن فقط – في حضورك – ذلك الفيلم لـ ساندرا بولوك ... أعرف أنك – إذا ما كنتُ شاهدته – قد عرفت ما أقصد ...
نعم ... فيلم : ( بينما كنتَ نائما ) ( While You Were Sleeping )
عندما أهداها حبيبها في نهاية الفيلم أول تأشيرة لها على جواز سفرها ...
لكن ، أتعرف ؟ أعتقد أن هناك أشياءاً بعينها لا يجب أن يهديك إياها سوى شخصٍ واحد : هو أنت ...و على رأسها بدايات تجارب كتجربة السفر و الحياة معتمدا على ذاتك وحدها في بلدٍ غريب .
- بالطبع هناك الكثير من الأشياء التي أتوق لخوض تجربتها معك – لكن هناك طرقا ً يجب أن تسيرها وحدك ، تجرد سيفك ، تتلفت محاذرا بينما تُعلم خطواتك و صوتك تلك الثقة و تلك القة و المغامرة لتعلو أصواتهن على إرتجافة قلبك الأصلية و وهنه ... تترصد إشارات الكون و تقلباته و أنت وحدك ... تواجه الحين بعد الحين المرايات و صورة ذاتك فيها ... خائفاً مرة ؟ خاضعا مستسلما مرة ؟ مجابها صلبا مرة ؟
أعرف أنك تفهمني ...



سلام

الجمعة، فبراير 06، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 3


عزيزي :

أشعر بكآبة تشتد حدتها يوما ً وراء يوم و أنا أنظر للسماء فلا أجد غيمةً واحدة ، و أستشعر الهواء ساخنا ً رطبا ً ... في عز أيام الشتاء لا أجد إلا أياما ً صيفية تماما .
أشعر بالافتقاد الشديد للشتاء ... انتظرته كثيرا ، و فات موعد قدومه منذ زمن ، و لم يأت ..
أنظر للسماء الصافية من فوقي ، فأشعر بالرعب : هل ما عادت السماء تكترث بنا أو تبالي ، فصارت صحوا ً دائما بعدما أدارت ظهرها لنا ؟ لماذا تجفونا هكذا و لا ترسل إلينا ما يصلنا بها : المطر ؟ هل أتى آخر الزمان حقا ً فإنقلبت الأشياء على أعقابها لتظهر غير طبيعتها ؟
الكرنب و القنبيط صغيران ، و ثمة إحباط يجهد أوراقهم ، فلم يُسق أيٌ منهم بماء المطر بعد ... أفتقد ملمس حباّات الندى الرقيقة داخل الأوراق ...
أسأل أمي عن الفول الأخضر ، فتخبرني أن أعواده لم تَنْمُ إلا يسيرا ... فهو محرومٌ من ماء المطر ...
أشعر بالإعياء أنا أيضا ... و كذلك روحي تشعر .
أيقظتني الحرارة و الرطوبة فيما قبل الفجر بقليل .... بكيت كثيرا ً و لم أنم ... و أدركت كم أنا ضعيفة ... جاهلة ... خائفة ... و جبانة ...
نعم ... خائفة من النهاية ، و أنا لا أرضَ لي أثبت عليها قدميّ .....
و افتقدتك كثيرا ً جدا وقتها ...
دوما ً ما تتحمس أمي لذهابي لفرح إحدى زميلاتي أو إنجابهن ... و دوما ما تسألني بعدها : ألا أغار منهن ، فأتحمس للزواج و الأطفال ؟ ألا أفتقد أن يكون لي بيت و زوج و طفل أو طفلة ؟ ألن أشعر بالوحدة بعد ذلك ؟
لا تعرف هي أن مثل هذه الأشياء تمر عليّ كواجبات إجتماعية غير جديرة سوى بإستدعاء الشعور بالرتابة من داخلي ... لا تعرف أن أقسى وحدة هي تلك التي يشعر بها المرء مع آخرين لا يفهمونه ، و الأمَّر أن يكون مضطرا ً لتحمل وجوده الدائم معهم ...
لا تعرف أمي أني فقط أفتقدك ...
أفتقد أن أتحدث بما يخطر ببالي تجاه كل شيء فأجدك هناك ... تفهمني ، تتحدث معي ... و نصل سويا ً لبر الأمان ، و ليقينيات ما دونما إدعاء أو كذب أو تجمُّل أو خوف ...
أفتقد أن أبكي بحرية و إطمئنان ، دون أن يراقب أحدهم بكائي أو يتقول عليه ما ليس له علاقة به ...
أفتقد أن أتبادل الأدوار معك : فأكون صغيرتك حينا ، و تكون صغيري الذي يسعدني إحتواؤه و التربيت عليه حينا ... و نقف على أرض المساواة و الصداقة في أحيان أخرى ...
كما أفتقد مطرا ً يمكننا السير تحته و الابتهاج به .
عزيزي ... حقا ... أفتقدك افتقادي للشتاء ، و أفتقده افتقادي لك .
سلام

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 2


عزيزي :


في ذلك اليوم قال ذلك الدكتور في تلك الندوة كلاما ً جميلا ً جدا ً عن الحرية ... و عن أننا لسنا أحرارا ً و لا نعامل الآخرين بمنطق الحرية في حين أننا ندعيها ... و حتى في الحب فإننا نتوقع ممن يحبوننا أن يتنازلوا عن خياراتهم ، و تفضيلاتهم لأجلنا ، و أن يذبحوا حريتهم و فرديتهم قربانا ً لمعبد الحب – لم يقل هذا تماما ، لكن فيما معناه –
و بعد أن خرجنا أنا و صاحبتي من هناك ... مضينا في مديح ما قال ، ثم توصلنا إلى أن معظم من يتحدثون كلاما ً جميلا ً عن الحرية ، هم أول مدنسي حرمها ، و هم أول من يتوقعون أن يدور الآخرون في فلكهم !
و بالطبع ، قمنا بتطبيق بسيط سريع على ذلك المتحدث نفسه ، لنكتشف صحة ما في كلامنا .
أتعرف أني أخاف من نفسي كثيرا ً عندما أكتشف أنها تقع في نفس المأزق ؟
المشكلة الحقة يا عزيزي هي أننا نقتنع بالأفكار نظريا ً ، نعجب بها و نخر لها ساجدين ، لكننا وقت الاحتكاك الحقيقي بالحياة نجد أن مكتساباتنا الحضارية من فكر أو مدنية أو تصديق لأمرٍ ما تسقط عنا فجأة ، لنجدنا نحتمي ببدائيتنا ضد ما يقف بالمرصاد لبقائنا و تسيُدنا سواء المادي أو المعنوي أو النفسي ... و كلٌ منا يفعل هذا بطريقته .
فكرتُ في هذا كله بعدما أنهيتُ إليك خطابي السابق ضد ما أسميتُه " تقيداً " ، " افتعالاً " ، " عبئاً " ... و بالطبع تمكث في كفة الميزان الأخرى كلمة ضخمة براقة اسمها " الحرية " ... و يحاوطها ( محبشات ) أخرى من " التلقائية" ..." الصدق" ... " الاستقلالية " ... " المباشرة " .... إلخ إلخ
ما أعذب رنين الكلمات !
و ما أشد الاعتقاد بالإيمان بالأشياء أو الأفكار أو المعتقدات ، فإذا نادت – لا أعرف ما إذا كانت الحماقة أو الحكمة ، لا أعرف أيهما بالضبط – بالاقتراب قليلا ً ، و بالتفريق بين الاعتقاد النظري الفكري المحض بصحة الأشياء أو خطئها ، بوجودها أو عدمها ، و بين "الإيمان" الحق الذي هو إعتقادٌ حقيقي يُبنى عليه التصرفات و المواقف ... الصمت و النطق ... الجد و الهزل – مهما تكن الظروف - ... سقطت الأفكار من عليائها ، و صار الإنكار لها و الإعراض عنها ، و التساؤل في دهشة :
" كيف كنتُ أعتقد نفسي بهذا الإيمان ، و أنا على هذا الاستعداد و على هذه الدرجة من الإلحاد ؟ "
و هاأنا ذي أُكرر أخطائي :
فأعدك بالحرية ، باللاعبء ، اللاقيود ، اللالوم ، اللاعتب ... و أنت بالنسبة لي لستَ أكثر من فكرة مجردة بعد ، قد تحتمل التكذيب أو التصديق ...
فكرة لا أعرف كيف ستكون علاقتي بها عندما تتحول إلى واقع ... هل يمكن أن أغار ؟ أن أغضب؟ أن أشعر بالهجر أو الوحدة أو الفقدان أو أني نفسي نوعٌ ما من العبء عليك – تلك المشاعر التي عرفتها جيدا و أعرف كم هي مؤلمة و مميتة - ؟
ألم أقل لك أني أشك في أعراض فصام أو هستيريا ! J
المهم ....
/ هي لازمةٌ لا أكثر ، لا تصدق أن هناك شيء أهم من الآخر ، فكل الأشياء لها نفس الدرجة من الأهمية ، هي فقط النسبية التي تجعل شيئا ً ما مهما في وقتٍ ما و ظروف ما ، و لا أهمية له على الإطلاق في ظروف أخرى /
ألقاك على خير . ( ألم أقل أنها كانت لازمة لا أكثر ؟ )


سلام

الاثنين، فبراير 02، 2009

إلى حبيبي الذي لم أعرفه بعد 1


عزيزي الذي لا أعرفك بعد :

" وقِلت بأكتب لك .. هيك كانوا بيعملوا العشاق "
أتأمل علاقتي العبثية بك – هذا إن لم تكن كلمة " علاقة " في ذاتها هي منشأ العبث بالأساس - ، فأحجم كثيرا عن الكتابة لمن لا أعرف له ملامحا ً ، و لا صوتا ً ... لا أعرف كيف ربما يفكر أو بأي شيء يؤمن / أو ما عاد يؤمن / ... لا أعرف كيف يبدو عندما يغضب أو يفرح ، ماذا يجذبه للحياة ، و ما الذي يرده عنها ... كم عمره ، ما هي عاداته ، متي سألتقيه ، أين ، و كيف ؟ ... ما اسمه ...
أتعرف أنها عقبة كبيرة جدا ً أن أكتب لك و أنا لا أستطيع مناداتك باسمٍ بعينه ؟
بل ، و أنا لا أعرف ما الذي قد يجذبني إتجاهك أو يجذبك إتجاهي ... لم أعد أستطيع تخمينا ً ... صدقني !
لو تذكر – بإعتبار ما سيكون عندما ألتقيك طبعا ، فاستعد بتكوين الذاكرة منذ الآن J - أحد معارفي الذي نصحني من قبل أن أجلس لأكتب صفاتك ، و كيف أريدك أن تكون شكلاً و موضوعا ً ، و بالطبع كان واضحا ً أني لم أعد أحب اليوتوبيات !
أو ربما تعارضت الفكرة مع شيء ملازم لفكرة الحب : أن تتقبل من تحب كما هو بكل ما فيه من مزايا و عيوب .
كنتُ أردد على نفسي هذه الجملة كثيرا ً فيما مضى : عندما سعت إلى الحب ، ثم حاولت تجنبه فسعى هو إليها :
" أنا أتقبله بكل ما فيه من مزايا و عيوب " ... كانت نفسي تقولها بثقة كلاميا ً ، و تنهزم داخلها و تتقهقر يوما ً وراء الآخر ، لتقودها الهزيمة إلى إكتشاف جدير بالاعتبار – بل بإعدة الحسابات :
" أحببتُ فيه كذا و كذا ، و رفضتُ فيه كذا و كذا "
لأكتشف أني أنا نفسي لم أكن أتقبل نفسي من الأساس ... كنتُ أرفض تشتتها ... تناقضاتها .. نقائصها و مخاوفها التي تعرفها جيدا و تخشى إنفضاحها و تلك الأقنعة التي اكتشفتُ أنها تضعها بإتقان لا يشي بحقيقتها .
اكتشفتُ يا... يا من لا أعرف لك اسما ً بعد – أني لم أكن أعرف نفسي حقا ً ...
لا تصدق – بالمناسبة – من قالوا بأن "نارسيس" عشق صورته في مياه البحيرة ، و أنه لهذا عاقبته الألهة فحولته زهرة نرجس حزينة / و أنانية / هناك ! هو فقط ذهلته أشياء رآها وحده في أعماقه متبدية على وجه صورته .
لا أعرف أيبدو بائخا ً أن أبدأ خطاباتي إليك بهذا الكلام ؟ و هل سيبدو سخيفا ً إذا ما اعترفتُ لك أنه كانت تردني عن الكتابة إليك تلك العقلانية المُحللة و التي كانت تقول لي أني لا أفعل سوى أني أُخاطب نفسي مدعيةً أني أوجه الحديث لغيري ، و أني أتمادى في الادعاء ليكون هذا الآخر حبيبا ً متفهما ً مختبئا ً في طيات الزمن ؟
و فكرتُ أحيانا ً في أني مصابة بإضطراب نفسي ما : نوع من الفصام مثلا أو الهستريا ... و أحاول تطبيقا ً لمعلوماتي القليلة في علم النفس عليَّ بحيادية و برود غريبين ( أو ربما هما الصدق و الموضوعية في حصر الاحتمالات ) .
هل تعرف أني كنت كثيرا ً ما يأخذني حنينٌ إليك و إيمان حقيقي بأنك موجود في مكانٍ ما ، لكن هناك فارقا ً في التوقيت جعلنا لم نلتق بعد ، و أقول أنني أنتظرك ، و أتحدى الجميع مؤمنة ً بوجودك ... ثم ... يخفت الحنين و معه اليقين ، فأقول لنفسي بلا مبالاة أنك محض وهم ، أن لا وجود لك أصلا ... " و كأنك ما حدا ضايع بها المدى " و أن فكرة الحب نفسها هي فكرة ساذجة نظن فيها أننا تحررنا من الأنانية ، فإذا بنا في بؤرتها ، و إذا بنا لا نحب من الآخر إلا إنعكاساتنا فوق صفحته – لا أكثر ...
و أن تحدياتي لمن حولي ما هي إلا رغبتي المعتادة في الوحدة ، في الالتفات لرغباتي العملية في الحياة ، و أني حقا ً لا أكترث لتلك المؤسسة الاجتماعية التي إن لم تُعلن فشلها الصريح مع البعض ، فهي لا تُعلن نجاحها أبدا ... لا تعلن عن ثمة تميز أو إضافة حقيقية لمن تفتح بهم بيتا ً جديدا ً ... فقط : المزيد من الخوف ... المزيد من الكذب ... المزيد من القيود ... المزيد من الدوران في الطاحونة ...المزيد من الألاعيب... و المزيد من الهزائم النفسية .
و ثمة جملة علقت في ذاكرتي و آمنتُ بها : " كلُ ما لا يُضيف لك هو عبٌ عليك " .
امممم ... بداية غير مبشرة على الإطلاق !
أو قل ، هي بداية مبشرة جدا أن أتحدث هكذا بكل ما يخطر ببالي دونما وجل . ..
هكذا أعتقد الحب في جزءٍ كبير منه : أن تستطيع أن تكون صادقا ً و على سجيتك تماما مع من تحب واثقا ً – لا من كونه سيتفهم فحسب – بل سيكون على نفس موجتك أيضا ً – سواء قبولا أو رفضا لأفكارك – يتفاعل معك ببساطة ، و يستمتع بهذا أيضا ...جربتُ هذا الأمر في الصداقة ، و أعتقد أنه أساسٌ في الحب مضافا ً إليه بعض الأشياء الأخرى .
كنتُ أريد التحدث إليك / لا معك للأسف حتى الآن / عن أشياء أخرى ... لكني ...
امممم .... كنتُ أود القول أني هكذا أطلتُ عليك ، أو أني سأذهب للنوم الآن .... لكني أتراجع .... نعم ، فمن السخيف أن نذكر مبرراتنا أو أعذارنا لفعل شيء ما أو عدم فعله ، أو التوقف فه عند حد معين – حقيقيةً كانت أو واهية - ، فهذا في ذاته تسلل خبيث للقيود و للشعور بالعبء ... بالافتعال ... أو الملل أو الروتين ...
تذَكَرْ - عندما يخط لنا الزمن مكانا ً و حينا ً و ظَرفا ً للقاء – ألا تعتذر عن شيء فعلته أو لم تفعله بسببٍ من الأسباب ... لا تفعل إلا إذا سألتك ، و إذا سألتك فسأسأل فقط لأعرف ، لا لألوم أو أعتب / لم أعد أفعل هذا أو أفكر هكذا / فاللوم و العتب أحد مظاهر الخوف و الشك يجب ألا نتبعهما . و حينها لا أنتظر سوى إجابات صادقة تماما ، حتى لو كانت من باب :
" لم أفعل هذا أو ذاك لأني لم أُرده " ، و سألتزم أنا أيضا بالمثل – إذا لم يكن لديك إعتراض –
سلام

الثلاثاء، يناير 27، 2009

الآن

أكتشف الآن..... في هذه الدقيقة تحديدا أن التحرر شعور داخلي بالمقام الأول و يجب أن ينبع من الداخل ليشرق بثقة بعد ذلك على الخارج ... بثقة و حسم و شعور بالأحقية ...
المشكلة أننا نتعامل مع حقوقنا بخوف أو تخوف ... نتعامل معها و كأنها هبه أو منحة ، لا حق يجب أن يُقتنَص .

الواجهة



الواجهة الواجهة by يوسف عز الدين عيسى


My review
rating: 2 of 5 stars


" أبنائي الأعزاء : اليوم أحكي لكم قصة تبين ضرورة الإلحاد" ...هكذا علق أحد معارفي ساخرا ً على رواية "الواجهة" ..

" و تردد (ميم) بعض الوقت قبل أن يقول :
هل لهذه المدينة مالك حقيقة؟ "


أعجبني تشبيهه المتهكم الذي يشبه الرواية – إن جاز إطلاق هذا المسمى عليها حقا - ...

" فبلغت دهشة (ميم) ذروتها ، و صاح قائلا ً :
كله إلا هذا ، أنا لا أصدق ذلك ، هل أنا و أنت و جميع من رأيتهم هنا دُمى تتحرك كما يريد أن يحركنا ؟ لا ، هذا غير معقول . و إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا صنعنا ؟
-ليلهو بنا ، و ليجعل لوجوده معنى .
فقال (ميم ) في ذهول :
ليجعل لوجوده معنى ! ما معنى هذا ؟
اعتدل ( واو) في جلسته و أطرق مفكرا ً بضع لحظات ثم قال :
إذا وجدت نفسك في مكان منعزل ليس به سواك ، و لا يعرف أحد عنك شيئا ، فهل يكون لوجودك معنى ؟ إننا هنا نتحدث عن مالك المدينة ليلا ً و نهارا ً و هو يستطيع أن ينفذ حكم الإعدام فينا في أية لحظة ، أليس في هذا ما يضفي على وجوده معنى ؟ "

فالعمل ما هو إلا عرض مفصل و مبسط جدا لأفكار البشرية حول وجود الإنسان في هذه الدنيا ، مكانه فيها ، دوره و

رسالته ، مأساته ، و تناقض مسيرة حياته مع الدور الذي تدعيه الأديان له ، أفكاره حول الخالق و حول وجوده ، خبث

الدنيا في واجهتها البراقة المحافظة جدا ، و شارعها الخلفي الكبير الذي يموج بالموبقات .... و حيرة الإنسان الفرد

النزيه الصادق أمام هذا كله دون أن يجد مخرجا ً ، خاصة و أن الموت يقف له بالمرصاد كحقيقة مرعبة لا يجد لها

معنى سوى العبث .

" – لم أكن أرغب في الحضور إلى هذه المدينة ، و كنت في غنى عن كرمه هذا ."

" من العسير على عقل الدمية أن يرقى إلى مستوى عقل صانعها ليفهم دوافعه و أسراره ، إن عقل الدمية يعجز عن تفسير الأشياء التي فوق طاقته. و إذا حطم مالك المدينة دمية جميلة من صنع يديه ، فلا لوم عليه ! هو الذي صنعها و هو الذي حطمها ! "

هذا هو العمل و لا أكثر من ذلك : أفكار .. أفكار... أفكار مقدمة في شكل تعليمي مباشر .. مقصود .

و فجأة وقف (ميم) في فزع و قد بدأ يرتعد ، و صاح قائلا :
كفى كلاما ً في هذا الموضوع ، لابد أنه يسمع الآن كل حديثنا .
فاضطجع (واو) في كرسيه مبتسما ً ، و وضع إحدى ساقيه فوق الأخرى و قال :
لا داعي للفزع . إنه لن يعاقبنا على مثل هذه الأحاديث، بل على العكس ، إنه يحب سماعها.
فقال (ميم) مضطربا ً :
و لماذا يحب سماع هذه الأحاديث؟
إنه يحب كل من يحاول الوصول إلى الحقيقة ، إنه يفخر بأن الدُمى التي صنعها تفكر و تتأمل! لابد أنه الآن معجب بنا كل الإعجاب."

فالعمل فكري جدا بالمقام الأول و لا تحوم حوله شبهة إبداع؛ حتى و لو أقام الكاتب العمل كله على فكرة تحدي ثالوث التابو ( هو في الواقع عرْض لملابسات مواجهة المجتمع لـمجرد (شبهة) التعدي على هذا الثالوث ، في حين براءة مرتكبه من النية المسبقة ) :

فـ (ميم) يتعرض للاضطهاد لأنه طلب من فتاة المطعم إيناسه في منزله لشعوره بالوحدة : ( شبهة تعدي على تابو الجنس )

ثم لأنه طلب رفع أجر الدوران في الطاحونة – بل تساءل فقط عن إمكانية هذا في الواقع ! - : ( شبهة تعدي على تابو السياسة )

" فقال (ميم) وهو لا يزال مندهشا ً لهذه الثورة العارمة :
أُعاقب لمجرد الاستفسار عن سبب عدم رفع أجر الدوران في الطاحونة؟
أجل، إنك بهذا تحرض على التمرد ، و تعمل على بلبلة الأفكار في تلك المدينة الآمنة. "

بينما يقوم العمل بشكل مركزي على إنتهاك تابو الدين بالشكل التعليمي الفكري المباشر المشار إليه سلفا ً!
View all my reviews.

الثلاثاء، يناير 20، 2009

هذه الأيام


أحترفُ الكذبات الصغيرة جدا التي تسد منافذ الأسئلة التي لا معنى لها ، و منافذ التحبيط و العرقلة ... أقفز على درجات الكذبات الصغيرة لأتجه إلى ما أريد مباشرةً بدلا عن الطريق الآخر المليء بالمعوقات :

الغول الذي يسد الطريق و ينبغي لي منازلته و التغلب عليه أولا ً ...

الطاحونة التي ينبغي لي دفعها عدة مرات لتطحن الهواء ...

الشوكات الصغيرة التي ينبغي لي التوقف كل حين و آخر لنزعها من أقدامي كلما انغرست فيها ...

و مفاجآت أخرى تنتظر على الطريق ..

أحترف الكذبات الصغيرة جدا المتعاونة التي تتسرب إلى دمي ، فأشعر بالإعياء .... لا أستطيع إبتهاجاً بالوصول .. ففي نهاية الطريق ، لا أستطيع حراكا ً : قلبي شوالٌ لم أعد أستطيع حمله ،مملوء بالكذبات التي أمرضته و أعجزته عن الحركة ..
لذا : سأتقيأ الكذبات الصغيرة جدا المتعاونة قبل أن تسمم جسدي ... سأفرغ الشوال ... أسكب بعضا ً من دموعي ... و أضطر إلى منازلة الغول .. دفع الطاحونة .. نزع الشوكات .. و الاستعداد للمفاجآت .. ليستعيد قلبي خفته .

الأحد، يناير 18، 2009

مجرد سؤال


إبدأ من الضروري حتى تصل إلى الممكن ، تجد نفسك فجأة تفعل المستحيل / انت فين بقى ؟






كانت نتيجة التصويت على هذا السؤال كالآتي :

في مرحلة الضروري
18 (24%)

أفعل الممكن19 (25%)

وصلت لصنع المستحيل11 (14%)

لم أبدأ حياتي / كما تخصني و تنتمي لعالمي / بعد19 (25%)

لا يهمني أن أحدد7 (9%)

أصالة / كاظم / عبد الوهاب ... صحبة طريق


































الأربعاء، يناير 07، 2009

لماذا أحترم إسرائل ؟

ليس إحتراما فقط في الواقع .. بل قل : إعجابا ، إنبهارا ... شيءٌ من هذا القبيل ..
أولا : هي تلعب دورها بمهارة و إتقان .. لا ، ليس دور " الشرير " في الأفلام التقليدية ، بل دوره في الأفلام الحديثة التي نرى فيها الذكاء ، الإدعاء ، البراعة ، الاختباء أحيانا وراء مظهر وديع ، التخهطيط السليم و التنفيذ الحاسم الذي يضرب بقوة و عنف مطيحا ً بالأبطال " الخيرين " قاضيا عليهم دون أن يهتز له جفن أو يراوده شعور " عبيط " بتأنيب الضمير أو أن تتراءى له أسلحته و دماء الضحايا تقطر منها
/ فللأسف لا مكان هنا للخيال الشكسبيري القديم : للأيدي التي لا تغسل المياه ما بها من دماء ، و لا لتلك الآداة المباشرة البسيطة المسماة " خنجرا " :
" فالزر الإلكتروني يعمل وحده
لا قاتلٌ يصغي إلى قتلي
و لا يتلو وصيته شهيد "
كما يقول درويش
هي فقط - إسرائيل - تلتزم بدورها و لا تحيد عنه . و هل منتظر من العدو أن يكون شيئا آخر غير عدو ؟ هل منتظر من اللص الذي يقفز على بيتك لينهبه بل و ينهب وثائقه ليدعيه منزلا له أن يكون بك رحيما ؟ أم أن عليه إرعابك و إسكاتك حتى لو قضى على أهلك جميعا ثم تسلى بقتلك بعد ذلك ؟ هل منتظر من مصاص الدماء شيء آخر غير أن يقتات على دمك ليعيش ؟
إذن ما يحدث طبيعي جدا : قتِّل .. حطم ... دمر ... بعثر ... فجِّر ... هذه هي القاعدة
أما ما أثر إنتباهي حقا - و لا يزال - فهو مقدرتهم الدعائية الباهرة - فنانون حقا - فيما يتعلق بتعذيب هتلر لهم و تلك القصص التي تُدمي القلب و تدفع بإشفاق الجميع معهم عن الهولوكست أو المحارق الجماعية التي دُفع إليها اليهود أيام الحرب العالمية الثانية ... و كيف أنهم نجحوا في جعل إنكار هذه الأحداث " تُهمه " عالمية يُعاقب عليها القانون !
لا أعتقد أن هناك تهمة صريحة اسمها : معاداة الملك أو الرئيس ، أو معاداة الأديان ، أو تهمة إنكار وجود الله مثلا ...
أتساءل حقا عن تلك العقلية الجبارة التي استطاعت أن تجعل التشكيك في شيء يتعلق بوجودها تُهمة تستوجب العقاب - في عصرنا هذا - و هو الذي لم تستطع فرضه حقا أي أيدلوجية أخرى أو أي دين أو أي إفتراضية وجودية كبري من الأسئلة التي نتفق أو نختلف جميعا حولها !!
بل ، كانت دهشتي تتضاعف كلما سمعت عن التعويضات التي استطاعوا جنيها من وراء هذا الأمر !
ثم ، سعيهم ل " تبرئة " صورتهم ، و دفعهم الكنيسة إلى إعلان برائتهم من دم المسيح بعد الواقعة بما يقرب من ألفي سنة إلا قليلا !
نشاطهم في الإستيلاء على الأرض من أصحابها الأصليين ، و في قتال أعدائهم بحماسة ، و القتال على أكثر من جبهة أحيانا : مصر ، سوريا ، لبنان ، فلسطين ...
بل أن تُثبت دولة وجودها : تولد ، تتكون ، تمد أذرعها ، و تثبت لها مكانا على الخريطة في ستين عاما لا غير / و تهنئها بعض الدول بعد ذلك في ذكرى إقامتها حتى بعض أعدائها القدامى / و تدافع عن هذا الوجود غير الشرعي بكل ما أوتيت من قوة متوسعةً في وجودها ، محاولةً القضاء على الوجود الشرعي لوطن آخر بثقة و إصرار و كأنها صاحبة الحق
- يفرض الخيال الشكسبيري نفسه هنا فأتذكر إدجر و إدموند في مسرحية الملك لير -
كيف تفعل إسرائيل هذا كله ؟
بأي عقلية و أي قوة و أي استراتيجية تحقق ما تحقق ؟
بينما أولئك الذين يُقتَّلون كل يوم ، و يستصرخون مساعدة ً و يطلبون ما لهم فعلا غير قادرون على لفت العالم لقضيتهم أو لحقهم الضائع و لا حتى بصورهم و هم يقتلون و يشردون و تُدمر منازلهم و تُسرق أوطانهم ؟
" لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟"
المشكلة التي لم يرها " أمل دنقل " أن كلماته مطبقة بحذافيرها ، و لكن بصورة عكسية
فالموت يُوزع بشكل مجاني تماما على العرب - بأيديهم كما بأيدي أعدائهم - ، بينما دم اليهود منذ أيام هتلر له وضعٌ آخر لا يمكن أن يساووه بدماء العرب
- حقا أكره أن أتحدث لغة الأيدلوجيات أو الأعراق و الأجناس أو الأديان ... فطفلٌ يموت هو طفلٌ يموت مهما يكن جنسه أو وطنه أو ديانته ؛ و شعبٌ يُدمر هو شعبٌ يُدمر في أي مكان في العالم ، لكن الوضع الغريب الذي نعايشه يفرض نفسه بقوة -
لو حد فعلا عنده إجابة ياريت يقولها

الاثنين، ديسمبر 22، 2008

راية الخيال

راية الخيال راية الخيال by سمير غريب



My review


rating: 4 of 5 stars
الكتاب يتحدث بشكل أساسي عن الحركة السريالية/ و من غيرها أجدر برفع راية الخيال ؟/ : بذورها الأولى ، نشأتها ، تطورها ، أعلامها ، صراعاتها ، تجلياتها في الأدب و الفن التشكيلي و النحت و في الحياة بشكل عام ، و صراعاتها المتعددة مع حركات فنية كالدادية ، مع أيدولوجيات سياسية كالشيوعية ، و صراعها مع ذاتها ..و كذلك التحدث عن الحركة السريالية في العالم العربي .



تفاصيل هذا الكتاب كثيرة و لذلك لطبيعته المتتبعة للسريالية ، لكنه كتاب ممتع و ملهم جدا



و سمير غريب / المؤلف / يتعامل بإبداع في كتابته لهذا الكتاب ...

( واحد م الناس اللي بيفهموا - باختصار - )





ما أدهشني هو تلك المعلومة التي تفيد بأن بدايات السريالية و تركيزها كان على الأدب و ليس في الفن التشكيلي



الكتاب يعرض لأساسين قامت عليهما الحركة السريالية و نادت بهما :

1) الكتابة الآلية

2) الصدفة الموضوعية



و من خلال الأولى يبدأ المبدع في استحضار لاوعيه ، و الغوص عميقا فيه

و لهذا كانت التجربة التي قام بها كلا من " بريتون " - ذلك المدهش رائد السريالية الأول و محركها - ، مع " فيليب سوبو " ... كانا يجلسان و يبدأ أحدهما في الدخول في حالة إسترخاء تصل به إلى اللاوعي ، و يبدأ في التحدث بأي شيء يطرأ على ذهنه دونما تحديد أو تفكير ، بينما يسجل الثاني له كلامه

و نشرا نتيجة هذه الجلسات في كتاب " الحقول المغناطيسية "



و من هذه التجارب الأولى - إضافة إلى نظريات فرويد عن اللاوعي - بدأ يرتبط اسم السريالية بالتحليل النفسي ، و أهمية استكشاف المرء لغرفه المظلمة و تحليله لأعماقه من خلال فنه





أما الصدفة الموضوعية ، فهي تلك الحساسية التي يتميز بها الفنان السريالي اتجاه المتوقع ، و القادم : إنها تلك الصدفة التي تدفع صاحبها إلى الاصطدام بها ( لذا هي موضوعية )



بدت حياة " بريتون " نوعا من هذه الصدف الموضوعية التي تترك حياة الفرد معلق على شفا المواربة : بين الواقع و الخيال ، بين الحلم و الحقيقة ... تلك الحياة التي لا تستطيع أن تقرر فيها في أي جهةٍ من العوالم أنت ؟



و أبرز هذه الصدف الموضوعية هي لقاءه ب " نادجا " ... فقد كانت تقوده قدماه بشكل مستمر لمكان محدد ، و كان لا يعرف سببا لذلك ... يذهب لذاك المكان و هو يشعر أنه يبحث عن شيء ما ، و لا يعرفه بعد



إلى أن صادفها ذات يوم

" من أنتِ؟ "

" أنا الروح الهائمة "

هكذا كان اللقاء الأول الذي سارت على دربه كافة لقاءتهما التي كانت تتم بمحض المصادفة دونما أي اتفاق من جانبهما





بهرتني جدا شخصية بريتون بالطبع : بإبداعه ، عقله المنظم ، روحه القيادية ، موضوعيته ، صدقه



حتى في تجاربه مع " فيليب سوبو " كان يحلل بموضوعية و حيادية مميزات و نقاط ضعف تجربتهما تلك



مبادئه كانت واضحة : السريالية لا تقدم نفسها كمذهب أو كعرض لمذهب ... هي غير مكتملة بعد ... و نجاح أي نظام مرهون بإنفتاحه و تجدده و ليس على إنغلاقه على نفسه و إدعائه العصمة





أعجبني كذلك تدخلات سمير غريب بالتوضيح لبعض النقاط التي تختلط على ذهن الكثيرين بالنسبة للسريالية : فليس معنى كونها صادرة عن إبداع تلقائي في غالبها أنها لا تحمل معنى ، بل إن كل ما يتعلق بالانسان يحمل معنى .. هي فقط تكتشف أجزاءا خفية من نفس المبدع / المتلقي / الإنسان

أو كما يقول " ماكس إرنست " هي مزيج من الأضواء الواضحة و الظلال التي تحتاج إلى الكشف عنها






View all my reviews.

السبت، نوفمبر 29، 2008

على هامش المهرجان


" لازم بطاقات دعوة للدخول "
يجيبني أحد القادمين من هناك ... لا أهتم ، و أواصل التقدم ... أنظر لقائمة العروض لأكتشف وشك الفيلم على الانتهاء ، لكن رغبتي في الدخول مازالت قائمة ...
" صحافة ؟ "
يسألني أحد الواقفين
" لأ ... "
" لازم بطاقات دعوة علشان تخشي ... و .... بصي ... تعالي ، أنا هأدخلك "
يقود الطريق أمامي لأجد أننا قد دخلنا بسلاسة دون أسئلةٍ من الحرس .... يفسح لي الطريق في قاعة عرض الأفلام ، أجلس و أجده قد جلس إلى جواري ...
" انتي بقى إيه علاقتك بالسنيما ؟ عاوزة تمثلي ؟ "
" لأ ... مش ينفع أبقى مهتمة و خلاص ؟ "
"بصي للفيلم و انتي بتتكلمي "
يرن جرس الهاتف متواصلاً بينما البطلة ممدة على الأريكة بيأسٍ ما
" يعني انتي مش عاوزة تدخلي المجال ؟ "
أوجه نظري نحوه ثانيةً : " يعني ..... بأحاول أكتب سيناريو "
أحاول معرفةً لكينونته ... تُضاء القاعة لأكتشف أني لم أشاهد شيئا
" حضرتك مين بقى ؟ "
" زي ما قلت لك " على " ، و من غير " حضرتك " ، و من غير " أستاذ " "
أُصر على معرفة كينونته
" واحد كان مهتم زيك ، و دلوقتي بقى شغال في تنسيق الحاجات دي "
..أراه سبباً معقولا لمساعدته إياي ....
" بأشتغل على طول في المهرجانات ، لو عاوزة تحضري أي حدث ابقي قوليلي بس و أنا أدخلك ... و أعرف ناس كتير في المجال ممكن يساعدوكي "
" عظييييييييم جدا "

" تحضري الندوة ؟ "
" عاوزة أبص ع المعرض اللي في قصر الفنون "

يفسح لي الطريق ، يتبعني ..يواصل أسئلته ، و أجد أنه لا ضير من أن يوسع المرء دائرة معارفه
أشعر بكفه على كتفي - عفوا بالتأكيد - أنكمش و أفسح المسافة بيننا ...
يقدم تحليلاته لي ما بين الحين و الآخر
ندخل إلى القاعة ، أشعر بكفه ثانية على كتفي - عفوا ربما - أنكمش على ذاتي أكثر و أُسرع خطاي
" انتي مهتمة بإيه بالظبط ؟ أنا حاسس إن عندك طاقة جامدة و إن جواكي مليان "
" عادي ... بالفن عامة "
" و الحب ؟ حبيتي قبل كده ؟ "
على خصوصية السؤال ، لم أُفجأ ، فقد أصبح من الأسئلة الشائعة هذه الأيام التي يعتقد السائل أنه يكسب أرضا إضافية بها مع من يسأله .... أجبتُ و أنا أعرف أن إجاباتي كلها لا تعني شيئا .. فهي إجابات تقريرية مسطحة لأسئلة أعاملها باعتيادية
" وريني إيدك كده "
أبسط كفي بتلقائية أمامه
" إيدك عرقانه "
يمسك كفي ... " و باردة " ..... أسحبه بسرعة
" انتي عصبية شوية ، مش كده ؟ "
" باين عليك قاري كويس في علم النفس " ... يصور بعضا من اللوحات ، أتركه إلى حيث قاعة أخرى ... أجده خلفي ...
" سوسو " .... أتجاهل طريقته في النداء
" سوسو " ...... بالتأكيد ليس هذا اسمي
" سندس " .... ألتفت نحوه ...
" صوريني جنب التمثال ده "
أضبط كاميرا هاتفه النقال ، و ألتقط صورة له
" الصورة بعيدة كده ليه ؟ تعالي لما أصورك جنب اللوحة دي "
" شكرا مش عاوزة "

" طب إيه بقى يا " حُبي " اللي منتظراه من الحب ؟ "
أتجاهل طريقته في السؤال وأتركه إلى الجانب المقابل من القاعة
"
انتي بتخافي من الناس ، صح ؟ حتى خفتي لما لمستك"
"ما بأخافش و ما بأحبش حد يلمسني ... "
" ليه بس يا " حبيبي " ، خليكي فريش كده "
" لو سمحت ما تستخدمش اللفظ ده معايا "
" ليه ؟ بتتكسفي ؟ "
" بأحس بس إن الناس بتبتذل الألفاظ أكتر من اللازم .... لازم أروح على فكرة ، أنا اتأخرت "
" هاوصلك ... تعالي من هنا "
أتبعه صعودا و هبوطا بين القاعات التي يفضي بعضها إلى بعض ، لنصل إلى طريق مسدود
" غلط على فكرة ... السكة الناحية التانية "
أتقدم الطريق و أسبقه بمسافة كبيرة ... باب الخروج أخيرا .... أجده خلفي ، و أشعر بكفه على كتفي ، اقف و ألتفت إليه بحدة ، و أنظر إليه بحسم :
" لو سمحت إيدك ما تلمسنيش تاني "

بعض أنظار العاملين تلتفت نحونا
يؤخذ ... يتراجع قليلا ... أسير ، ثم أجده ورائي من جديد :
" يا بنتي عيشي حياتك ، مش تبقي قافلة على نفسك كده ، انتي انثى ... بنت جميلة و جذابة ، ليه بتتعاملي كده ؟ "
" ما ينفعش أتعامل على إني إنسانة بتعامل بني آدمين ؟ ما ينفعش أحافظ على خصوصيتي ؟ "
أتعثر في أحد الحواجز الحديدية و أسقط ...
" شفتي توترك عمل إيه ؟ "
يُخرج منديلا و يمد يده ليمسح وجهي ... أتراجع خطوتان ، لكني آخذ منه المنديل
" خلاص خلاص ... أنا هاسيبك تكملي لبره الأوبرا لوحدك ، سلام ؟ "
يمد يده نحوي ، أنظر له وهلة ، ثم أسلم عليه بقوة تناقض دفء يديه و ليونتها ... ألمح دهشةً ما على ملامحه ، و تساؤلا كاد أن ينطق به لولا أن سبقته خطواتي على كوبري قصر النيل ، و أنا أتنفس الهواء الليلي المنعش و أتأمل إنعكاسات الأضواء الملونة و الموج الهاديء يؤرجحها على سطح النيل .